الشنقيطي
127
أضواء البيان
اعترافك بخلاف ذلك ، يدل على أن ما تقوله ، من أنا وآلهتنا ، في النار ليس بحق أيضاً . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة * ( بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ) * أي لد ، مبالغون في الخصومة ، بالباطل ، كما قال تعالى : * ( وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً ) * أي شديدي الخصومة . وقوله تعالى : * ( وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ) * ، لأن الفعل بفتح فكسر كخصم ، من صيغ المبالغة ، كما هو معلوم في محله . وقد علمت مما ذكرنا أن قوله تعالى هنا * ( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً ) * إنما بينته الآيات التي ذكرنا ببيان سببه . ومعلوم أن الآية قد يتضح معناها ببيان سببها . فعلى القول الأول ، أنهم ضربوا عيسى مثلاً لأصنامهم ، في دخول النار ، فإن ذلك المثل يفهم من أن سبب نزول الآية نزول قوله تعالى قبلها * ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ) * لأنها لما نزلت قالوا إن عيسى عبد من دون الله كآلهتهم فهم بالنسبة لما دلت عليه سواء . وقد علمت بطلان هذا مما ذكرناه آنفاً . وعلى القول الثاني أنهم ضربوا عيسى مثلاً لمحمد صلى الله عليه وسلم ، في أن عيسى قد عبد ، وأنه صلى الله عليه وسلم ، يريد أن يعبد كما عبد عيسى ، فكون سبب ذلك سماعهم لقوله تعالى : * ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ) * وسماعهم للآيات المكية النازلة في شأن عيسى يوضح المراد بالمثل . وأما الآيات التي بينت قوله * ( مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ ) * فبيانها له واضح على كلا القولين . والعلم عند الله تعالى . قوله تعالى : * ( إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ ) * . والتحقيق أن الضمير في قوله : هو عائد إلى عيسى أيضاً لا إلى محمد عليهما الصلاة والسلام . وقوله هنا : * ( عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ ) * لم يبين هنا شيئاً من الإنعام الذي أنعم به على عبده