الشنقيطي

114

أضواء البيان

بِعِبَادِهِ خَبِيرُ بَصِيرٌ ) * وقوله تعالى : * ( إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا ) * . وقد أوضح تعالى حكمة هذا التفاضل ، والتفاوت في الأرزاق ، والحظوظ والقوة والضعف ، ونحو ذلك ، بقوله هنا * ( لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً ) * ، كما تقدم . وقوله تعالى هنا * ( وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ) * . يعني أن النبوة ، والاهتداء يهدي الأنبياء ، وما يناله المهتدون يوم القيامة ، خير مما يجمعه الناس في الدنيا من حطامها . وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى ، في غير هذا الموضع ، كقوله في سورة يونس * ( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ) * وقوله تعالى في آل عمران * ( وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ) * . مسألة دلت هذه الآيات الكريمة ، المذكورة هنا ، كقوله تعالى : * ( نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ ) * . وقوله * ( وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِى الْرِّزْقِ ) * ونحو ذلك من الآيات ، على أن تفاوت الناس في الأرزاق ، والحظوظ سنة ، من سنن الله السماوية الكونية ، القدرية ، لا يستطيع أحد من أهل الأرض ، البتة تبديلها ، ولا تحويلها ، بوجه من الوجوه ، * ( فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ) * . وبذلك تحقق أن ما يتذرع به الآن الملاحدة المنكرون لوجود الله ، ولجميع النبوات ، والرسائل السماوية ، إلى ابتزاز ثروات الناس ، ونزع ملكهم الخاص ، عن أملاكهم بدعوى المساواة بين الناس ، في معايشهم أمر باطل . لا يمكن بحال من الأحوال . مع أنهم لا يقصدون ذلك الذي يزعمون . وإنما يقصدون استئثارهم ، بأملاك جميع الناس ، ليتمتعوا بها ويتصرفوا فيها ، كيف شاءوا ، تحت ستار كثير من أنواع الكذب ، والغرور والخداع ، كما يتحققه كل عاقل مطلع على سيرتهم ، وأحوالهم مع المجتمع في بلادهم .