الشنقيطي

10

أضواء البيان

فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) * . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة * ( يَأْخُذْهُ ) * مجزوم في جواب الطلب الذي هو * ( فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ ) * وعلى أنه بمعنى الأمر الكوفي فالأمر واضح . وعلى أنه بمعنى الخبر فالجزم مراعاة لصيغة اللفظ . والعلم عند الله تعالى . وذكر في قصتها أنها صنعت له التابوت وطلته بالقار وهو الزفت لئلا يتسرب منه الماء إلى موسى في داخل التابوت ، وحشته قطناً محلوجاً . وقيل : إن التابوت المذكور من شجر الجميز ، وأن الذي نجره لها هو مؤمن آل فرعون ، قيل : واسمه حزقيل . وكانت عقدت في التابوت حبلاً فإذا خافت على موسى من عيون فرعون أرسلته في البحر وأمسكت طرف الحبل عندها ، فإذا أمنت جذبته إليها بالحبل . فذهبت مرة لتشد الحبل في منزلها فانفلت منها وذهب البحر بالتابوت الذي فيه موسى فحصل لها بذلك من الغم والهم ما ذكره الله تعالى في قوله * ( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً ) * . وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من مننه المتتابعة على موسى حيث قال * ( وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى ) * أشار إلى ما يشبهه في قوله : * ( وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ ) * . قوله تعالى : * ( وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى ) * . من آثار هذه المحبة التي ألقاها الله على عبده ونبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ما ذكره جل وعلا في ( القصص ) في قوله : * ( وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِّى وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ ) * ، قال ابن عباس * ( وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى ) * : أي أحبه الله وحببه إلى خلقه . وقال ابن عطية : جعل عليه مسحة من جمال . لا يكاد يصبر عنه من رآه . وقال قتادة : كانت في عيني موسى ملاحة ، ما رآه أحد إلا أحبه وعشقه . قاله القرطبي . قوله تعالى * ( إِذْ تَمْشِى أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَى تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ ) * . اختلف في العامل الناصب للظرف الذي هو ( إذْ ) من قوله * ( إِذْ تَمْشِى أُخْتُكَ ) * فقيل : هو ( أَلْقَيْتُ ) أي ألقيت عليك محبة مني حين تمشي أختك . وقيل : هو ( تصنع ) أي تصنع على عيني حين تمشي أختك . وقيل : هو بدل من ( إذ ) في قوله * ( إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّكَ ) * . قال الزمخشري : فإن قلت : كيف يصح البدل والوقتان مختلفان متباعدان ؟ قلت : كما يصح وإن اتسع الوقت وتباعد طرفاء أن يقول لك الرجل : لقيت فلاناً سنة كذا . فتقول : وأنا لقيتُه إذ ذاك . وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها . وهذا الذي ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة : من كون أخته مشت إليهم ، وقالت لهم * ( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ ) * أوضحه جل وعلا في سورة ( القصص ) فبين أن أخته المذكورة مرسلة من قبل أمها لتتعرف خبره بعد ذهابه في البحر ، وأنها أبصرته من بعد وهم لا يشعرون بذلك . وأن الله حرم عليه المراضع غير أمه تحريماً كونياً قدرياً . فقالت لهم أخته * ( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ ) * أي على مرضع يقيل هو ثديها وتكفله لكم بنصح وأمانة وذلك في قوله تعالى : * ( وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ