الشنقيطي
7
أضواء البيان
ويعلم ما هو أخفى من السر . وقول من قال : إن ( أخفى ) فعل ماض بمعنى أنه يعلم سر الخلق ، وأخفى عنهم ما يعلمه هو . كقوله : * ( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) * ظاهر السقوط كما لا يخفى . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : * ( وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ ) * أي فلا حاجة لك إلى الجهر بالدعاء ونحوه ، كما قال تعالى : * ( ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ) * ، وقال تعالى : * ( وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ ) * . ويوضح هذا المعنى الحديث الصحيح . لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم لما سمع أصحابه رفعوا أصواتهم بالتكبير قال صلى الله عليه وسلم : ( ارْبَعُوا على أنفسكم فإنكم لا تَدْعون أصم ولا غائباً ، إنما تدعون سميعاً بصيراً . إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ) . * ( وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لاًّهْلِهِ امْكُثُواْ إِنِّىءَانَسْتُ نَاراً لَّعَلِّى آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى * فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِىَ يامُوسَى * إِنِّى أَنَاْ رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ لا إِلَاهَ إِلا أَنَاْ فَاعْبُدْنِى وَأَقِمِ الصَّلَواةَ لِذِكْرِى * إِنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى * وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسَى * قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِى وَلِىَ فِيهَا مَأَرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يامُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَى * قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الاٍّ ولَى * وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ءَايَةً أُخْرَى * لِنُرِيَكَ مِنْ ءَايَاتِنَا الْكُبْرَى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِى صَدْرِى * وَيَسِّرْ لِى أَمْرِى ) * قوله تعالى : * ( اللَّهُ لا إِلَاهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الاٌّ سْمَآءُ الْحُسْنَى ) * . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه المعبود وحده ، وأن له الأسماء الحسنى . وبين أنه المعبود وحده في آيات لا يمكن حصرها لكثرتها ، كقوله : * ( اللَّهُ لاَ إِلَاهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ ) * ، وقوله : * ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَاهَ إِلأ اللَّهُ ) * . وبين في مواضع أخر أن له الأسماء الحسنى ، وزاد في بعض المواضع الأمر بدعائه بها ، كقوله تعالى : * ( وَللَّهِ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) * ، وقوله : * ( قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَانَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الاٌّ سْمَآءَ ) * وزاد في موضع آخر تهديد من ألحد في أسمائه . وهو قوله : * ( وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) * . قال بعض العلماء : ومن إلحادهم في أسمائه أنهم اشتقوا العزى من اسم العزيز ، واللات من اسم الله وفي الحديث الصحيح عن النَّبي صلى الله عليه وسلم ( إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً ، من أحصاها دخل الجنة ) وقد دل بعض الأحاديث على أن من أسمائه جل وعلا ما استأثر به ولم يعلمه خلقه ، كحديث : ( أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ، أو أنزلتَه في كتابِك ، أو علمتَه أحداً من خلقِك ، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك ) الحديث . وقوله : * ( الْحُسْنَى ) * تأنيث الأحسن ، وإنما وصف أسماءه جل وعلا بلفظ المؤنث المفرد ، لأن جمع التكسير مطلقاً وجمع المؤنث السالم يجريان مجرى المؤنثة الواحدة