الشنقيطي

4

أضواء البيان

* راحت بمسلمة البغال عشية * فارعى فزارة لا هناك المرتع * ثم بني عليه الأمر والهاء للسكت . ولا يخفى ما في هذا القول من التعسف والبعد عن الظاهر . وفي قوله * ( طه ) * أقوال أخر ضعيفة ، كالقول بأنه من أسماء النَّبي صلى الله عليه وسلم . والقول بأن الطاء من الطهارة ، والهاء من الهداية يقول لنبيه : يا طاهراً مِن الذنوب ، يا هادي الخلق إلى علام الغيوب ، وغير ذلك من الأقوال الضعيفة . والصواب إن شاء الله في الآية هو ما صدرنا به ، ودل عليه القرآن في مواضع أخر . قوله تعالى : * ( مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى ) * . في قوله تعالى : * ( مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى ) * وجهان من التفسير ، وكلاهما يشهد له قرآن : الأول أن المعنى : ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى . أي لتتعب التعب الشديد بفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم . وتحسرك على أن يؤمنوا . وهذا الوجه جاءت بنحوه آيات كثيرة ، كقوله تعالى : * ( فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ) * ، وقوله تعالى * ( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىءَاثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَاذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ) * وقوله * ( لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ) * . والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً ، وقد قدمنا كثيراً منها في مواضع من هذا الكتاب المبارك . الوجه الثاني أنه صلى الله عليه وسلم صلى بالليل حتى تورَّمتْ قدماه ، فأنزل الله * ( مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى ) * أي تنهك نفسك بالعبادة وتذيقها المشقة الفادحة . وما بعثناك إلا بالحنيفية السمحة . وهذا الوجه تدل له ظواهر آيات من كتاب الله ، كقوله : * ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) * ، وقوله * ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) * . والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . ويفهم من قوله : * ( لِتَشْقَى ) * أنه أُنزل عليه ليسعد . كما يدل له الحديث الصحيح : ( مَن يُرد الله به خيراً يفقهه في الدين ) وقد روي الطبراني عن ثعلبة بن الحكم رضي الله عنه ، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم : أن الله يقول للعلماء يوم القيامة : ( إني لم أجعل علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أُبالي ) وقال ابن كثير : إن إسناده جيد ، ويشبه معنى الآية على هذا القول الأخير قوله تعالى : * ( فَاقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُواْ ) *