الشنقيطي

19

أضواء البيان

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : * ( قَالَ رَبُّنَا الَّذِى أَعْطَى كُلَّ شَىءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) * فيه للعلماء أوجه لا يكذب بعضها بعضاً ، وكلها حق ، ولا مانع من شمول الآية لجميعها . منها أن معنى * ( أَعْطَى كُلَّ شَىءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) * أنه أعطى كل شيء نظير خلقه في الصورة والهيئة ، كالذكور من بني آدم أعطاهم نظير خلقهم من الإناث أزواجاً . وكالذكور من البهائم أعطاها نظير خلقها في صورتها وهيئتها من الإناث أزواجاً . فلم يعط الإنسان خلاف خلقه فيزوجه بالإناث من البهائم ، ولا البهائم بالإناث من الإنس ، ثم هدى الجميع لطريق المنكح الذي منه النسل والنماء ، كيف يأتيه ، وهدى الجميع لسائر منافعهم من المطاعم والمشارب وغير ذلك . وهذا القول مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما من طريق علي بن أبي طلحة ، وعن السدي وسعيد بن جبير ، وعن ابن عباس أيضاً : * ( ثُمَّ هَدَى ) * أي هداه إلى الألفة والاجتماع والمناكحة . وقال بعض أهل العلم * ( أَعْطَى كُلَّ شَىءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) * أي : أعطى كل شيء صلاحه ثم هداه إلى ما يصلحه ، وهذا مروي عن الحسن وقتادة . وقال بعض أهل العلم * ( أَعْطَى كُلَّ شَىءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) * : أي أعطى كل شيء صورته المناسبة له . فلم يجعل الإنسان في صورة البهيمة ، ولا البهيمة في صورة الإنسان ، ولكنه خلق كل شيء على الشكل المناسب له فقدره تقديراً ، كما قال الشاعر : أَعْطَى كُلَّ شَىءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) * : أي أعطى كل شيء صورته المناسبة له . فلم يجعل الإنسان في صورة البهيمة ، ولا البهيمة في صورة الإنسان ، ولكنه خلق كل شيء على الشكل المناسب له فقدره تقديراً ، كما قال الشاعر : * وله في كل شيء خلقة * وكذاك الله ما شاء فعل * يعني بالخلقة : الصورة ، وهذا القول مروي عن مجاهد ومقاتل وعطية وسعيد بن جبير * ( ثُمَّ هَدَى ) * كل صنف إلى رزقه وإلى زوجه . وقال بعض أهل العلم * ( أَعْطَى كُلَّ شَىءٍ خَلْقَهُ ) * : أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به ، كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار ، والأذن الشكل الذي يوافق الاستماع . وكذلك الأنف والرجل واللسان وغيرها ، كل واحد منها مطابق لما علق به من المنفعة غير ناب عنه . وهذا القول روي عن الضحاك . وعلى جميع هذه الأقوال المذكورة فقوله تعالى * ( كُلَّ شَىءٍ ) * هو المفعول الأول ل ( أَعْطَى ) ، و ( خلقه ) هو المفعول الثاني . وقال بعض أهل العلم : إن ( خلقه ) هو المفعول الأول ، و ( كل شيءٍ ) هو