الشنقيطي

97

أضواء البيان

الجاني ، والعفو مجاناً في غير مقابل وهو أحد قولي الشافعي . قال النووي في شرح مسلم : وبه قال سعيد بن المسيب ، وابن سيرين وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور . وعزاه ابن حجر في الفتح إلى الجمهور . وخالف في ذلك مالك ، وأبو حنيفة ، والثوري رحمهم الله فقالوا : ليس للولي إلا القصاص ، أو العفو مجاناً . فلو عفا على الدية وقال الجاني : لا أرضى إلا القتل ، أو العفو مجاناً ، ولا أرضى الدية . فليس لولي المقتول إلزامه الدية جبراً . واعلم أن الذين قالوا : إن الخيار للولي بين القصاص والدية اختلفوا في عين ما يوجبه القتل عمداً إلى قولين : أحدهما أنه القود فقط . وعليه فالدية بدل منه . والثاني أنه أحد شيئين : هما القصاص والدية . وتظهر ثمرة هذا الخلاف فيما لو عفا عن الجاني عفواً مطلقاً ، لم يصرح فيه بإرادة الدية ولا العفو عنها . فعلى أن الواجب عينا القصاص فإن الدية تسقط بالعفو المطلق . وعلى أن الواجب أحد الأمرين فإن الدية تلزم مع العفو المطلق . أما لو عفا على الدية فهي لازمة ، ولو لم يرض الجاني عند أهل هذا القول . والخلاف المذكور روايتان عن الشافعي ، وأحمد رحمهما الله . واحتج من قال : بأن الخيار بين القصاص والدية لولي المقتول بقوله صلى الله عليه وسلم : ( من قتل له قتيل فهو بخير النظرين ، إما أن يفدى ، وإما أن يقتل ) أخرجه الشيخان ، والإمام أحمد ، وأصحاب السنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . لكن لفظ الترمذي : ( إما أن تعفو وإما أن يقتل ) . ومعنى ( يفدى ) في بعض الروايات ، ( ويودى ) في بعضها : يأخذ الفداء بمعنى الدية . وقوله ( يقتل ) بالبناء للفاعل : أي يقتل قاتل وليه . قالوا : فهذا الحديث المتفق عليه نص في محل النزاع ، مصرح بأن ولي المقتول مخير بين القصاص وأخذ الدية . وأن له إجبار الجاني على أي الأمرين شاء . وهذا الدليل قوي دلالة ومتناً كما ترى . واحتجوا أيضاً بقوله تعالى : * ( فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ) * . قالوا : إن الله جل وعلا رتب الاتباع بالدية بالفاء على العفو في قوله : * ( فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ) * . وذلك دليل واضح على أنه بمجرد العفو تلزم الدية ، وهو دليل قرآني قوي أيضاً .