الشنقيطي

81

أضواء البيان

ويدل على هذا قوله : * ( إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ) * . وفي أحاديث الشفاعة الثابتة في الصحاح وغيرها أنهم يقولون لنوح : إنه أول رسول بعثه الله لأهل الأرض كما قدمنا ذلك في سورة البقرة . الجهة الرابعة أن قوله * ( وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَا بَصِيرًا ) * فيه أعظم زجر عن ارتكاب ما لا يرضي الله تعالى . والآيات الموضحة لذلك كثيرة جداً . كقوله : * ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) * وقوله : * ( أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) * ، وقوله : * ( وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ) * ، إلى غير ذلك من الآيات . وقد قدمنا هذا المبحث موضحاً في أول سورة هود . ولفظة ( كم ) في هذه الآية الكريمة في محل نصب مفعول به ( لأهلكنا ) و * ( مِنْ ) * في قوله * ( مّنَ الْقُرُونِ ) * بيان لقوله * ( كَمْ ) * وتمييز له كما يميز العدد بالجنس . وأما لفظه ( من ) في قوله * ( مِن بَعْدِ نُوحٍ ) * فالظاهر أنها لابتداء الغاية ، وهو الذي اختاره أبو حيان في ( البحر ) . وزعم الحوفي أن ( من ) الثانية بدل من الأولى ، ورده عليه أبو حيان . والعلم عند الله تعالى . قوله تعالى : * ( وَمَنْ أَرَادَ الاٌّ خِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَائِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا ) * . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن * ( وَمَنْ أَرَادَ الاٌّ خِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ) * أي عمل لها عملها الذي تنال به ، وهو امتثال أمر الله ، واجتباب نهيه بإخلاص على الوجه المشروع * ( وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) * أي موحد لله جل وعلا ، غير مشرك به ولا كافر به ، فإن الله يشكر سعيه ، بأن يثيبه الثواب الجزيل عن عمله القليل . وفي الآية الدليل على أن الأعمال الصالحة لا تنفع إلا مع الإيمان بالله . لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة ، لأنه شرط في ذلك قوله * ( وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) * . وقد أوضح تعالى هذا في آيات كثيرة . كقوله : * ( وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن