الشنقيطي
65
أضواء البيان
بجناية إنسان آخر ؟ . والجواب عن الأول هو أن العلماء حملوه على أحد أمرين : الأول أن يكون الميت أوصى بالنوح عليه . كما قال طرفة بن العبد في معلقته : الأول أن يكون الميت أوصى بالنوح عليه . كما قال طرفة بن العبد في معلقته : * إذا مت فانعيني بما أنا أهله * وشقى على الجيب يابنة معبد * لأنه إذا كان أوصى بأن يناح عليه : فتعذيبه بسبب إيصائه بالمنكر . وذلك من فعله لا فعل غيره . الثاني أن يهمل نهيهم عن النوح عليه قبل موته مع أنه يعلم أنهم سينوحون عليه . لأن إهماله نهيهم تفريط منه ، ومخالفة لقوله تعالى : * ( قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ) * فتعذيبه إذا بسبب تفريطه ، وتركه ما أمر الله به من قوله : * ( مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ ) * الآية وهذا ظاهر كما ترى . وعن الثاني بأن إيجاب الدية على العاقلة ليس من تحميلهم وزر القاتل ، ولكنها مواساة محضة أوجبها الله على عاقلة الجاني . لأن الجاني لم يقصد سوءاً ، ولا إثم عليه البتة فأوجب الله في جنايته خطأ الدية بخطاب الوضع ، وأوجب المواساة فيها على العاقلة . ولا إشكال في إيجاب الله على بعض خلقه مواساة بعض خلقه . كما أوجب أخذ الزكاة من مال الأغنياء وردها إلى الفقراء . واعتقد من أوجب الدية على أهل ديوان القاتل خطأ كأبي حنيفة وغيره أنها باعتبار النصرة فأوجبها على أهل الديوان . ويؤيد هذا القول ما ذكره القرطبي في تفسيره قال : ( وأجمع أهل السير والعلم : أن الدية كانت في الجاهلية تحملها العاقلة ، فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام . وكانوا يتعاقلون بالنصرة ثم جاء الإسلام فجرى الأمر على ذلك . حتى جعل عمر الديوان . واتفق الفقهاء على رواية ذلك والقول به . وأجمعوا أنه لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا زمن أبي بكر ديوان ، وأن عمر جعل الديوان ، وجمع بين الناس ، وجعل أهل كل ناحية يداً ، وجعل عليهم قتال من يليهم من العدو . انتهى كلام القرطبي رحمه الله تعالى . قوله تعالى : * ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) * . ظاهر هذه الآية الكريمة : أن الله جلَّ وعلا لا يعذب أحداً من خلقه لا في الدنيا ولا في الآخرة . حتى يبعث إليه رسولاً ينذره ويحذره فيعصى ذلك الرسول ، ويستمر على الكفر والمعصية بعد الإنذار والإعذار . وقد أوضح جلَّ وعلا هذا المعنى في آيات كثيرة ، كقوله تعالى : * ( رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ