الشنقيطي
38
أضواء البيان
وقال : * ( وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً ياجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِى السَّرْدِ وَاعْمَلُواْ صَالِحاً ) * . فقوله : * ( أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِى السَّرْدِ ) * يدل على الاستعداد لمكافحة العدو ، وقوله * ( وَاعْمَلُواْ صَالِحاً ) * يدل على أن ذلك الاستعداد لمكافحة العدو في حدود الدين الحنيف . وداود من أنبياء ( سورة الأنعام ) المذكورين فيها في قوله تعالى : * ( وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ ) * ، وقد قال تعالى مخاطباً لنبينا صلى الله عليه وسلم وعليهم بعد أن ذكرهم : * ( أُوْلَائِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) * . وقد ثبت في صحيح البخاري عن مجاهد أنه سأل ابن عباس رضي الله عنهما من أين أخذت السجدة ( في ص ) فقال : أو ما تقرأ * ( وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ ) * * ( أُوْلَائِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) * فسجدها داود ، فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم . فدل ذلك على أنا مخاطبون بما تضمنته الآية مما أمر به داود . فعلينا أن نستعد لكفاح العدو مع التمسك بديننا ، وانظر قوله تعالى : * ( وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ) * فهو أمر جازم بإعداد كل ما في الاستطاعة من قوة ولو بلغت القوة من التطور ما بلغت . فهو أمر جازم بمسايرة التطور في الأمور الدنيوية ، وعدم الجمود على الحالات الأول إذا طرأ تطور جديد . ولكن كل ذلك مع التمسك بالدين . ومن أوضح الأدلة في ذلك قوله تعالى : * ( وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَواةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ) * . فصلاة الخوف المذكورة في هذه الآية الكريمة تدل على لزوم الجمع بين مكافحة العدو ، وبين القيام بما شرعه الله جلَّ وعلا من دينه . فأمره تعالى في هذه الآية بإقامة الصلاة في وقت التحام الكفاح المسلح يدل على ذلك دلالة في غاية الوضوح ، وقد قال تعالى : * ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) * فأمره في هذه الآية الكريمة بذكر الله كثيراً عند التحام القتال يدل على ذلك أيضاً دلالة واضحة . فالكفار خيلوا لضعاف العقول أن النسبة بين التقدم والتمسك بالدين ، والسمت الحسن والأخلاق الكريمة تباين مقابلة كتباين النقيضين كالعدم والوجود ، والنفي والإثبات . أو الضدين