الشنقيطي
453
أضواء البيان
في الآية في ذلك . فإذا صرح النَّبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يوم خيبر في حديث صحيح ( بأن لحوم الحمر الأهلية غير مباحة ) فلا معارضة البتة بين ذلك الحديث الصحيح وبيت تلك الآية النازلة قبله بسنين . لأن الحديث دل على تحريم جديد ، والآية ما نفت تجدد شيء في المستقبل كما هو واضح . فالتحقيق إن شاء الله هو جواز نسخ المتواتر بالآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عنه ، وإن خالف فيه جمهور الأصوليين ، ودرج على خلافه وفاقا الجمهور صاحب المراقي بقوله : فالتحقيق إن شاء الله هو جواز نسخ المتواتر بالآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عنه ، وإن خالف فيه جمهور الأصوليين ، ودرج على خلافه وفاقا الجمهور صاحب المراقي بقوله : * والنسخ بالآحاد للكتاب * ليس بواقع على الصواب * ومن هنا تعلم أنه لا دليل على بطلان قول من قال : إن الوصية للوالدين والأقربين منسوخة بحديث ( لا وصية لوارث ) . والعلم عند الله تعالى . المسألة السابعة اعلم أن التحقيق هو جواز النسخ قبل التمكن من الفعل . فإن قيل : ما الفائدة في تشريع الحكم أولاً إذا كان سينسخ قبل التمكن من فعله ؟ فالجواب أن الحكمة ابتلاء المكلفين بالعزم على الامتثال . ويوضح هذا أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ولده ، وقد نسخ عنه هذا الحكم بفدائه بذبح عظيم قبل أن يتمكن من الفعل . وبين أن الحكمة في ذلك : الابتلاء بقوله : * ( إِنَّ هَاذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) * ومن أمثلة النسخ قبل التمكن من الفعل : نسخ خمس وأربعين صلاة ليلة الإسراء ، بعد أن فرضت الصلاة خمسين صلاة ، كما هو معروف . وقد أشار إلى هذه المسألة في مراقي السعود بقوله : وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) * ومن أمثلة النسخ قبل التمكن من الفعل : نسخ خمس وأربعين صلاة ليلة الإسراء ، بعد أن فرضت الصلاة خمسين صلاة ، كما هو معروف . وقد أشار إلى هذه المسألة في مراقي السعود بقوله : * والنسخ من قبل وقوع الفعل * جاء وقوعاً في صحيح النقل * المسألة الثامنة اعلم أن التحقيق : أنه ما كل زيادة على النص تكون نسخاً ، وإن خالف في ذلك الإمام أبو حنيفة رحمه الله . بل الزيادة على النص قسمان : قسم مخالف النص المذكور قبله ، وهذه الزيادة تكون نسخاً على التحقيق . كزيادة تحريم الحمر الأهلية ، وكل ذي ناب من السباع مثلاً ، على المحرمات الأربعة المذكورة في آية : * ( قُل لاَ أَجِدُ فِى مَآ أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ) * . لأن الحمر الأهلية ونحوها لم يسكت عن حكمه في الآية ، بل مقتضى الحصر بالنفي والإثبات في قوله : * ( فِى مَآ أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَ أَن يَكُونَ ) * صريح في إباحة الحمر الأهلية وما ذكر معها . فكون زيادة تحريمها نسخاً أمر ظاهر . وقسم لا تكون الزيادة فيه مخالفة للنص ، بل تكون زيادة شيء سكت عنه النص الأول ، وهذا لا يكون نسخاً ، بل بيان حكم شيء كان مسكوتاً عنه . كتغريب الزاني البكر ، وكالحكم بالشاهد ، واليمين في الأموال . فإن القرآن في الأول أوجب الجلد وسكت عما سواه ، فزاد النَّبي حكماً كان مسكوتاً عنه ، وهو التغريب . كما أن القرآن في الثاني فيه * ( فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ) * . وسكت عن حكم الشاهد واليمين ، فزاد النَّبي صلى الله عليه وسلم حكماً كان مسكوتاً عنه . وإلى هذا أشار في مراقي السعود بقوله : حكماً كان مسكوتاً عنه . وإلى هذا أشار في مراقي السعود بقوله : * وليس نسخاً كل ما أفادا * فيما رسا بالنص إلا زديادا * وقد قدمنا ( في الأنعام ) في الكلام على قوله : * ( قُل لاَ أَجِدُ فِى مَآ أُوْحِىَ إِلَىَّ ) * . * ( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَاذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ * إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * إِنَّمَا يَفْتَرِى الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُوْلائِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ * مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَاكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذالِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَواةَ الْدُّنْيَا عَلَى الاٌّ خِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * أُولَائِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَائِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ * لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الاٌّ خِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ * ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ * يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ * فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَلاً طَيِّباً وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) * قوله تعالى : * ( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ ) * . أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة : أن يقول إن هذا القرآن الذي زعموا أنه افتراء بسبب تبديل الله آية مكان آية أنه نزله عليه روح القدس من ربه جل وعلا . فليس مفترياً له . وروح القدس : جبريل ، ومعناه الروح المقدس . أي الطاهر من كل ما لا يليق . وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة ، كقوله : * ( قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ) * ، وقوله : * ( وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاٌّ مِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ ) * ، وقوله : * ( وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْءانِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ) * ، وقوله : * ( لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ ) * ، إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى : * ( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ) * . أقسم جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه يعلم أن الكفار يقولون : إن هذا القرآن الذي جاء به النَّبي صلى الله عليه وسلم ليس وحياً من الله ، وإنما تعلمه من بشر من الناس . وأوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع ، كقوله : * ( وَقَالُواْ أَسَاطِيرُ الاٌّ وَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ) * ، وقوله : * ( إِنْ هَاذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ ) *