الشنقيطي
5
أضواء البيان
ولا ينافي ما ذكرنا من أن الإنذار للكفار ، والذكرى للمؤمنين . أنه قصر الإنذار على المؤمنين دون غيرهم في قوله تعالى : * ( إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخشِىَ الرَّحْمانَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ) * . لأنه لما كان الانتفاع بالإنذار مقصوراً عليهم ، صار الإنذار كأنه مقصور عليهم ، لأن ما نفع فيه فهو كالعدم . ومن أساليب اللغة العربية : التعبير عن قليل النفع بأنه لا شيء . وحاصل تحرير المقام في هذا المبحث : أن الإنذار يطلق في القرآن إطلاقين . أحدهما : عام لجميع الناس كقوله : * ( ياأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ ) * ، وقوله : * ( تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ) * . وهذا الإنذار العام : هو الذي قصر على المؤمنين قصراً إضافياً في قوله : * ( إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ ) * الآية . لأنهم هم المنتفعون به دون غيرهم . والثاني : إنذار خاص بالكفار لأنهم هم الواقعون فيما أنذروا به من النكال والعذاب ، وهو الذي يذكر في القرآن مبيناً أنه خاص بالكفار دون المؤمنين كقوله : * ( لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً ) * ، وقوله هنا : * ( لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ) * اه . والإنذار في اللغة العربية : الإعلام المقترن بتهديد ، فكل إنذار إعلام ، وليس كل إعلام إنذاراً . * ( وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ * فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَآ إِلاَ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْألَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ ) * قوله تعالى : * ( وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ ) * . خوف الله تعالى في هذه الآية الكريمة الكفار الذين كذبوه صلى الله عليه وسلم ، بأنه أهلك كثيراً من القرى بسبب تكذيبهم الرسل ، فمنهم من أهلكها بياتاً أي ليلاً ، ومنهم من أهلكها وهم قائلون ، أي في حال قيلولتهم ، والقيلولة : الاستراحة وسط النهار . يعني : فاحذروا تكذيب رسولي صلى الله عليه وسلم لئلا أنزل بكم مثل ما أنزلت بهم ، وأوضح هذا المعنى في آيات أخر كقوله : * ( وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ) * ، وقوله : * ( فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ) * ، وقوله : * ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ) * ، وقوله : * ( أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الاٌّ رْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) * ، ثم بين أنه