الشنقيطي

258

أضواء البيان

وقوله : * ( أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) * إلى غير ذلك من الآيات . وصرح بأن من أراد استراق السمع أتبعه شهاب راصد له في مواضع أخر كقوله : * ( فَمَن يَسْتَمِعِ الاٌّ نَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً ) * وقوله : * ( إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ ) * وقوله : * ( إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ) * وقال : * ( إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ) * وقال : * ( أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ) * وهو تعجيز دال على عجز البشر عن ذلك عجزاً مطلقاً ، وقال : * ( أَمْ لَهُم مٌّ لْكُ السَّمَاوَاتِ وَالاٌّ رْضِ وَمَا بَيَنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِى الاٌّ سْبَابِ جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن الاٌّ حَزَابِ ) * فقوله في هذه الآية الكريمة : * ( فَلْيَرْتَقُواْ فِى الاٌّ سْبَابِ ) * ، أي فليصعدوا في أسباب السماوات التي توصل إليها . وصيغة الأمر في قوله : * ( فَلْيَرْتَقُواْ ) * للتعجيز وإيرادها للتعجيز دليل على عجز البشر عن ذلك عجزاً مطلقاً . وقوله جل وعلا بعد ذلك التعجيز : * ( جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مّن الاْحَزَابِ ) * يفهم منه أنه لو تنطع جند من الأحزاب للارتقاء في أسباب السماء أنه يرجع مهزوماً صاغراً داخراً ذليلاً ، ومما يدل على أن الآية الكريمة يشار فيها إلى شيء ما كان يظنه الناس وقت نزولها إبهامه جل وعلا لذلك الجند بلفظة ما في قوله : * ( فِى مَا ) * وإشارته إلى مكان ذلك الجند أو مكان انهزامه إشارة البعيد في قوله : * ( هُنَالِكَ ) * ولم يتقدم في الآية ما يظهر رجوع الإشارة إليه إلا الارتقاء في أسباب السماوات . فالآية الكريمة يفهم منها ما ذكرنا ، ومعلوم أنها لم يفسرها بذلك أحد من العلماء ، بل عبارات المفسرين تدور على أن الجند المذكور الكفار الذين كذبوه صلى الله عليه وسلم ، وأنه صلى الله عليه وسلم سوف يهزمهم ، وأن ذلك تحقق يوم بدر أو يوم فتح مكة ، ولكن كتاب الله لا تزال تظهر غرائبه وعجائبه متجددة على مر الليالي والأيام ، ففي كل حين تفهم منه أشياء لم تكن مفهومة من قبل ، ويدل لذلك حديث أبي جحيفة الثابت في الصحيح أنه لما سأل علياً رضي الله عنه هل خصهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء ؟ قال له علي رضي الله عنه : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يعطيه الله رجلاً في كتاب الله وما في الصحيفة الحديث فقوله رضي الله عنه : إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في كتاب الله يدل على أن فهم كتاب ال