ابن عبد البر

488

التمهيد

وقد استدل قوم من أهل الحديث بأن الحياة فيه لا تعلم إلا بما ذكر من المعاني وهي الأكل والشرب والاستهلال والنطق لقوله كيف أغرم ما لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل وقد يحتمل أن يكون نزع بهذه لأنها أسباب الحياة وعلاماتها فكل ما علمت به الحياة كان مثلها وقد اختلف الفقهاء في المولود لا يستهل صارخا إلا أنه تحرك حين سقط من بطن أمه وعطس ونحو ذلك ولم ينطق ولا صرخ مستهلا فقال بعضهم لا يصلى عليه ولا يرث ولا يورث إلا أن يستهل صارخا وممن قال ذلك مالك وأصحابه وقال آخرون كل ما عرفت به حياته فهو كالاستهلال والصراخ ويورث ويرث ويصلى عليه إذا استوقنت حياته بأي شيء صحت من ذلك كله وهو قول الشافعي والكوفي وأصحابهم وفي هذا الحديث أيضا من المعاني إنكار الكلام إذا لم يكن في موضعه وكان جهلا من قائله وقد زعم قوم أن في هذا الحديث ما يدل على كراهية التسجيع إنما كره رسول الله صلى الله عليه وسلم تسجيع الهذلي في هذا الحديث لأنه كلام اعترض به قائله على رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتراض منكر وهذا لا يحل لمسلم أن يفعله وإنما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم التغليظ عليه في الإنكار لأنه كان أعرابيا لا علم له بأحكام الدين فقال له قولا لينا وتلك شيمته صلى الله عليه وسلم أن لا ينتقم لنفسه وأن يعرض عن الجاهلين