ابن عبد البر

112

التمهيد

قال ابن القاسم وإن وهب ابنته وهو يريد إنكاحها فلا أحفظه عن مالك وهو عندي جائز كالبيع قال مالك من قال أهب لك هذه السلعة على أن تعطيني كذا وكذا فهو بيع وإلى هذا ذهب أكثر المتأخرين من المالكيين البغداديين وقالوا إذا قال رجل لرجل قد وهبت لك ابنتي على دينار جاز وكان نكاحا صحيحا قياسا على البيع وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي ينعقد النكاح بلفظ الهبة إذا كان اشهد عليه ولها المهر المسمى إن كان سمى وإن كان لم يسم لها مهرا فلها مهر مثلها ومما احتج به أصحاب أبي حنيفة في هذا أن الطلاق يقع بالتصريح وبالكناية قالوا فكذلك النكاح والذي خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم تعري البضع من العوض لا النكاح بلفظ الهبة قال أبو عمر الصحيح أنه لا ينعقد بلفظ الهبة نكاح كما أنه لا ينعقد بلفظ النكاح هبة شيء من الأموال مع ما ورد به التنزيل المحكم في الموهوبة أنها للنبي صلى الله عليه وسلم خالصة دون المؤمنين فلما لم تصح الهبة في ذلك لم يصح بلفظها نكاح هذا هو الصحيح في النظر والله أعلم ومن جهة النظر أيضا أن النكاح مفتقر إلى التصريح لتقع الشهادة عليه وهو ضد الطلاق فكيف يقاس عليه وقد أجمعوا أن النكاح لا ينعقد بقوله قد أبحت لك وقد أحللت لك فكذلك الهبة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم استحللتم فروجهن بكلمة الله بمعنى القرآن وليس في القرآن عقد النكاح بلفظ الهبة وإنما فيه التزويج والنكاح وفي إجازة النكاح بلفظ الهبة إبطال بعض خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم وفي هذا الحديث أيضا من الفقه إجازة أخذ الأجرة على تعليم القرآن وقد اختلف في ذلك العلماء فكرهه قوم منهم أبو حنيفة وأصحابه وأجازه