الواقدي

163

فتوح الشام

رجل يهبون نفوسهم لله تعالى وتعلمون أن الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار وفاء لمن أخذ منها بحقها ودار رجاء لمن تزود منها ودار نجاة لمن فهم عنها الدنيا مهبط وحي الله ومصلى ملائكته ومسجد أحبابه وأوليائه أتخذوها مزرعة فرحمنا الله وإياكم وكان لنا ولكم فمن أراد الزاد من هذه الدنيا الفانية إلى يوم حشره فليبادر إلى التجارة الرابحة ولا يغره طول الاجل فيطمئن إلى التقصير في العمل ألا واني قد وهبت نفسي لله وقد أشترى ثم قرأ ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة فمن باع فليبادر ولا يجزع مما يحاذر فالموعد بيننا في عرصات القيامة وموقف الحسرة والندامة فاتبعوا سلفكم الطاهر والدين الباهر فعولوا على بركة الله وعونه واختار من أصحابه مائة وأمرهم بلبس السلاح وركب عياض وأعلمه بما عزم عليه من دخوله المدينة من المسرب وقال له كن على أهبة إذا سمعت التكبير والتهليل فقال علمت ذلك وأنا على أهبة بحمد الله امض أعانك الله ونصرك وسر على بركة الله وعونه قال فودعه خالد ورجع إلى أصحابه فوجدهم قد استعدوا فسار أمامهم وهم رجالة إلى أن أتى إلى باب المسرب وكان نصف الليل وأمر الله سلطان النوم فاستولى على من كان على السور والحرس لأنه جل شأنه إذا أراد أمرا بلغه وهيأ أسبابه قال فأول من دخل من المسرب خالد رضي الله عنه وتبعه عامر بن الأحوص وحذيفة بن ثابت وعمران بن بشر وتمام المائة رضي الله عنهم وما منهم الا من تسرب ودخل ومن كان جسيما لا يقدر على الدخول رجع وهو متأسف على الشهادة فحصل في المدينة ثمانون رجلا ولم يصحبهم الا من دخل من المسرب ثم إن واحدا من الذين تأخروا عالج في حجر فقلعه فاتسع المكان ودخلوا بأجمعهم وأدركوا أصحابهم وقد توسطوا المدينة وارتحت بها الأصوات واستيقظ الراقد وارتعد القاعد وقصد خالد مطلع السور ومنع الناس من النزول وأخذتهم الأحجار وأرسل خالد عشرة من أصحابه إلى الباب فكسروا الاقفال وفتحوا الباب وكان عياض قد ركب وأيقظ الناس وقد تهيأ للحرب فلما كبر خالد ومن معه بادر عياض ومن معه إلى الباب فوجده مفتوحا فدخلوا وأقبل أهل المدينة يهربون إلى السور والليل قد غسق والظلام اتسق والقتام قد أطبق فما بقي أحد يقوم من مرقده الا والسيف قد رمى رأسه عن جسده وهذا خرج من عند أولاده والسيف قد قطع في فؤاده وخالد ومن معه يكبرون وقد تقطعت بأهل آمد الأسباب وأحاط بهم العذاب قال ولم تزل الأبطال تبطح وتطرح وصدور المسلمين تشرح ولنحور الكفرة تذبح والعوائق تقطع والشجعان للرؤس تقرع والصوارم تقطع والأنوف تجدع وقلب الذليل يفزع والجبان يجزع والعيون تدمع والصائح لا