الواقدي

145

فتوح الشام

الحرب نارها وطار شرارها وقطعت الجماجم واستعرت الملاحم وصالت أسودها وتعفرت خدودها وصبرت على شدة حالها وحانت منها أحوالها وتدانت آجالها فهم في الحرب متوافرون وفي العدد والعديد متقاربون وفي الزحف إلى الفزع مختلفون والعجاج ثائر والدم فائر والاسلاب مطروحة للضياع ولحوم القتلى رزق للطير والسباع ولقوة العمائم تشتكي منها الاسماع والشمس تضجر منها الجسوم والنفوس والحرب قد أخذت أمرا يقطع الآجال وقد شمرت عن ساق وسروال والوطيس قد حميت جوانبها واستحيت عين مجانبها والصفوف تدانت إلى الهياج وقد غيبهم غيم العجاج وكل مقدم قد شذ منه جيشه وتكدر بعد الصفو عيشه والخيل تكر كرات وتجتمع مرات والسيوف تقطع البيض والنفوس تكاد تميز من الغيظ والغبار قد سحب ذيلا زنجيا وانسبل وأسبل على الوهاد رداء سجيا والطيور قد حامت وكأن القيامة قد قامت واستقبل المسلمون هذا الحرب الخطير والضرام المستطير فحل بالروم العقاب وسمحوا بنفوسهم ولقواء اليم العذاب ونال المسلمون ما رغبوا فيه من حسن المآب قال الواقدي والتقى عبد الله بن عياض بن وائل وعبد الله بن قرط بالملك شهرياض وقد عول على الهرب وكل من في جيشه قد اشتغل بنفسه عن نصرته وليس عنده سوى عشرة من غلمانه فاطبق عليه عبد الله بن قرط وعبد الله بن عياض قال الواقدي ولم أدر أيهما كان أسبق بالطعنة فطعنه في صدره فأخرج السنان من ظهره فلما نظر غلمانه إلى ملكهم مجندلا ولوا على ادبارهم ونزل عبد الله فاحتز رأسه وجعله على رمحه وركب وصاح ألا وان الملك قد قتلته فمن كان منكم يثبت للحرب فليثبت وصالت المسلمون على أعداء الله ووضعوا فيهم السيوف فقتل من قتل وانهزم الباقون بعدما أسروا منهم من أسروه وقد تركوا الأثقال على حالها والأموال والسرادقات فاحتوى عليها المسلمون قال جديد بن ناشب الضيمري كنت مولعا إذ سكنت الحرب بعدد من قتل من الروم فأخذت مخلاة على عاتقي وملأت حجري حصى فكنت لا أمر بمقتول الا وطرحت عليه حصاة ثم عددت الحصى فإذا هي ثمانون ألفا وسبعمائة وخمسون وأما الاسرى فلا يحصيهم عدد فلما وضعت الحرب أوزارها أمر عياض بالاثقال والاسرى إلى كفر توتا وبعثها مع الصلت بن مازن ومعه الف فارس وأمره أن لا يبرح منها حتى تفتح رأس العين قال ثم ارتحل عياض في أثر الوقعة إلى رأس عين وردة وبات ليلته يتلو القرآن وقال ووصل المنهزمون إلى رأس العين وهم بأسوأ حال ووقع الصائح بجوانب