الجبرتي
143
عجائب الآثار
محمد بن يعقوب بن الفاضل الشمشاري ونزل في منزله فكان أنيسا له في سائر أحواله قال اختبرته حق الاختبار فلم أجد له الا لسانا وهو مثار وبعد اشهر تبرم عن ملازمته واتخذ له حجرة في الحرم وعزل نفسه عنه فالتزم وحكى لي من أموره أشياء غريبة والمترجم معذور فان ساداتنا المغاربة ليس لهم تحمل في سماع كلام مثل كلامه لأنهم الفوا ظاهر الشريعة ولم يدخل على أذهانهم نوادر أهل العرفان ولا تسوروا حصونها المنيعة ولأهل الروم فيه اعتقاد جميل ومواهبهم تصل اليه في كل قليل وكان له ولد يسمى جعفرا ورد علينا مصر في سنة خمس وثمانين واقام معنا برهة يغدو الينا ويبيت ويروح لزيارة بعض أحباب أبيه بمصر ويذهب معنا لبعض المنتزهات إذ ذاك ولم يزل حتى اخترمته المنية سامحه الله ولم يخلف بعده مثله سنة سبع ومائتين وألف استهل المحرم بيوم الخميس والامر في شدة من الغلاء وتتابع المظالم وخراب البلاد وشتات أهلها وانتشارهم بالمدينة حتى ملؤا الأسواق والأزقة رجالا ونساء وأطفالا يبكون ويصيحون ليلا ونهارا من الجوع ويموت من الناس في كل يوم جملة كثيرة من الجوع وفيه أيضا هبط النيل قبل الصليب بعشرة أيام وكان ناقصا عن ميعاد الري نحو ذراعين فارتجت الأحوال وانقطعت الآمال وكان الناس ينتظرون الفرج بزيادة النيل فلما نقص انقطع املهم واشتد كربهم وارتفعت الغلال من السواحل والعرصات وغلت اسعارها عما كانت وبلغ الاردب ثمانية عشر ريالا والشعير بخمسة عشر ريالا والفول بثلاثة عشر ريالا وكذلك باقي الحبوب وصارت الأوقية من الخبز بنصف فضة ثم اشتد الحال حتى بيع ربع الويبة بريال وآل الامر إلى أن صار الناس يفتشون على الغلة فلا يجدونها ولم يبق للناس شغل ولا حكاية ولا سمر بالليل والنهار في مجالس الأعيان وغيرهم الا مذاكرة القمح والفول والاكل ونحو ذلك وشحت النفوس واحتجب المساتير وكثر الصياح والعويل ليلا ونهارا فلا