الجبرتي
436
عجائب الآثار
فحفروا أساس جميع هذه العمارة حتى بلغوا الماء ثم بنوا لها خنازير مثل المنارات من الأحجار والدبش والمؤن وغاصوا بها في ذلك الخندق حتى استقرت على الأرض الصحيحة ثم ردموا ذلك الخندق المحتوي على تلك الخنازير بالمؤن ولاحجار واستعلوا عليه بعد ذلك بالبناء المحكم بالحجر النحيت وعقدوا العقود والقواصر والأعمدة والأخشاب المتينة وكان العمل في ذلك سنة خمس وثمانين ومات المترجم قبل اتمامها وبناء أعاليها وكانت هذه العمارة من أشام العمائر لان النيل انحسر بسببها عن ساحل بولاق وبطل تياره واندفع إلى ناحية انبابة ولم تزل الأرض تعلو والاتربة تزيد فيما بين زاوية تلك العمارة إلى شون الغلال ويزيد نموها في كل سنة حتى صار لا يركبها الماء الا في سنين الغرق ثم فحش الامر وبنى الناس دورا وقهاري في بحري العمارة وسبحوا إلى جهة قرب الماء مغربين والقوا أتربة العمائر وما يحفرونه حول ذلك واقتدى بهم الترابة وغيرهم ولم يجدوا مانعا ولا رادعا وكلما فعلوا ذلك هرب الماء وضعف جريانه وربت الأرض وعلت وزادت حتى صارت كيمانا تنقبض النفوس من رؤيتها وتمتلىء المنافس من عجاجها وخصوصا في وقت الهجير بعد ان كانت نزهة للناظرين ولقد أدركنا فيمل قبل ذلك تيارا لنيل يندفع من ناحية بولاق التكرور إلى تلك الجهة ويمر بقوته تحت جدران الدور والوكائل القبلية وساحل الشون ووكالة الابزار وخضرة البصل وجامع السنانية وربع الخرنوب إلى الجيعانية وينعطف إلى قصر الحلي والشيخ فرج صيفا وشتاء ولا يعوقه عائق ولا يقدر أحد أن يرمي بساحل النيل شيئاا من التراب فان اطلع الحاكم على ذلك نكل به أو بخفير تلك الناحية وهذا شيء قد تودع منه ومن أمثاله وأخر من أدركنا فيه هذا الالتفات والتفقد للأمور الجزئية التي يترتب بزيادتها الضرر العام عبد الرحمن أغا مستحفظان فإنه كان يحذو طريق الحكام السالفين إلى