تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر للسيد محمود الشاهرودي

253

بحوث في علم الأصول

فتكون حجية أحدهما هي الواصلة بوصول موضوعها إجمالًا فلا يقع تناف بين الحجتين . وأما بناء على المسلك المختار من ثبوت الأحكام الظاهرية واقعاً كالأحكام الواقعية ، فأيضاً لا محذور في البين لعدم مانع عن إطلاق دليل الحجية لكل منهما مشروطاً بكذب الآخر لاحتمال أن الثابت واقعاً فعلية إحدى الحجيتين ، ومجرد احتمال كذبهما معاً لا يمنع عن صحة التمسك بإطلاقه لإثبات الحجيتين المشروطتين اللتين يعلم بتحقق شرط إحداهما إجمالًا . كما أنه لا تنافي بين هذه الحجية المشروطة في أحد الطرفين والحجية المطلقة في الطرف الآخر ، لأن الحجية المشروطة لا تصبح فعلية في أحد الطرفين تعييناً إلَّا إذا علم بكذب الآخر تعييناً ، ومعه لا موضوع للحجية المطلقة فيه حتى تتنافى مع الحجية المشروطة ، فالشرط الثالث محفوظ . وكذلك الشرط الرابع ، فإن هذه الحجية حصة من حصص الحجية المطلقة المستفادة من دليل الحجية العام وليست حجية جديدة . وأما الشرط الثاني ، وهو معقولية جعلها ، فقد يتوهم عدم توفره ، لأنه لو أحرز شرط هذه الحجية وهو كذب أحدهما المعين خرج المورد عن التعارض بين الحجتين ، وإن لم يحرز ذلك لم تبق فائدة لجعلها إذ لا يحصل منها علم بالمنجز شرعاً . ولكن الصحيح : توفر هذا الشرط ، لأن فائدة هذه الحجية إحراز حجية أحد الدليلين إجمالًا حيث يعلم بكذب أحدهما فيعلم إجمالًا بفعلية إحدى الحجيتين ، وهذا أمر زائد لم يكن محرزاً لولا الحجية المشروطة ، إذ مفاد الدليلين يحتمل كذبهما معاً . وليس فرض كذب أحدهما مساوقاً مع صدق الآخر . والنتيجة العملية الفقهية لإحراز هذه الحجية الإجمالية نفي الثالث ، فالفقيه يمكنه أن يفتي بعدم الثالث استناداً إليها . وهذا هو التخريج الفني الصحيح لنظرية نفي الثالث في موارد التعارض ، والتي حارت الصناعة الأصولية في كيفية تخريجها بعد البناء على المسلك الصحيح القائل بتبعية الدلالة