ابن تيمية

325

دقائق التفسير

المتفلسفة والاتحادية وغيرهم من الملاحدة والذي عليه جماهير الناس وهو قول متكلمة أهل الإثبات والمنتسبين إلى السنة والجماعة أنه في الخارج عن الذهن قبل وجوده ليس بشيء أصلا ولا ذات ولا عين وأنه ليس في الخارج شيئان أحدهما حقيقة والآخر وجوده الزائد على خقيقته فإن الله ابدع الذوات التي هي الماهيات فكل ما سواه سبحانه فهو مخلوق ومجعول ومبدع ومبدو له سبحانه وتعالى لكن في هؤلاء من يقول المعدوم ليس بشيء أصلا وإنما سمي شيئا باعتبار ثبوته في العلم كان مجازا ومنهم من يقول لا ريب أن له ثبوتا في العلم ووجودا فيه فهو باعتبار هذا الثبوت والوجود هو شيء وذات وهؤلاء لا يفرقون بين الوجود والثبوت كما فرق من قال المعدوم شيء ولا يفرقون في كون المعدوم ليس بشيء من الممكن والممتنع كما فرق من قال المعدوم شيء ولا يفرقون في كون المعدوم ليس بشيء بين الممكن والممتنع كما فرق أولئك إذ قد اتفقوا على أن الممتنع ليس بشيء وإنما النزاع في الممكن وعمدة من جعله شيئا إنما هو لأنه ثابت في العلم وباعتبار ذلك صح أن يخص بالقصد والخلق والخير عنه والأمر به والنهي عنه وغير ذلك قالوا وهذه التخصيصات تمتنع أن تتعلق بالعدم والمحض فإن خص الفرق بين الوجود الذي هو الثبوت العيني وبين الوجود الذي هو الثبوت العلمي زالت الشبهة في هذا الباب وقوله تعالى * ( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) * وذلك الشيء هو معلوم قبل إبداعه وقبل توجيه هذا الخطاب إليه وبذلك كان مقدرا مقضيا فإن سبحان وتعالى يقول ويكتب من ما يعلمه ما شاء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر أن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كان الله ولم يكن شيء معه وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السماوات والأرض وفي سنن أبي داود وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب فقال ما أكتب قال ما هو كائن إلى يوم القيامة إلى أمثال ذلك من النصوص التي تبين أن المخلوق قبل أن يخلق كان معلوما مخبرا عنه مكتوبا فيه شيء باعتبار وجوده العلمي الكلامي الكتابي وإن كانت حقيقته التي هي وجوده العيني ليس ثابتا في الخارج بل هو عدم محض ونفي صرف وهذه المراتب الأربعة المشهورة موجودات وقد ذكرها الله سبحانه في أول سورة أنزلها على نبيه في قوله * ( اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ) * وقد بسطنا الكلام في ذلك في غير هذا الموضع وإذا كان كذلك كان الخطاب موجها إلى من توجهت إليه الإرادة وتعلقت به القدرة وخلق وكون كما قال * ( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) * فالذي يقال له كن هو الذي يراد وهو حين يراد قبل أن يخلق له ثبوت وتميز في العلم والتقدير ولولا ذلك لما تميز المراد المخلوق من غيره وبهذا يحصل الجواب عن