الصفدي

253

الوافي بالوفيات

الغناء كنيته أبو محمد وكان الرشيد إذا أراد أن يولع به كناه أبا صفوان كان له في علومه وأما الغناء فلم يكن له فيه نظير سبق الأولين وقصر عنه المتأخرون وكان أكره الناس للغناء به ويقول وددت أن أضرب كلما أراد مني يندبني أن أغني وكلما قال قائل إسحاق الموصلي المغني عشر مقارع لا أطيق أكثر من هذا وأعفى من الغناء والنسبة إليه وكان المأمون يقول لولا ما سبق لإسحاق على ألسنة الناس وشهر به من الغناء عندهم لوليته القضاء بحضرتي فإنه أولى به وأحق وأعف وأصدق تدينا وأمانة من هؤلاء القضاة وحدث المرزباني عن محمد بن عطية الشاعر قال كنت عند يحيى بن أكثم في مجلس له يجتمع إليه فيه أهل العلم وحضره إسحاق فجعل يناظر أهل الكلام حتى انتصف منهم ثم تكلم في الفقه فأحسن واحتج ثم تكلم في الشعر واللغة ففاق من حضر فأقبل على يحيى بن أكثم وقال أعز الله القاضي أفي شيء مما ناظرت فيه تقصير قال لا والله قال فما بالي أقوم بسائر العلوم قيام أهلها وأنسب إلى فن واحد قد ) اقتصر الناس عليه قال العطوي فالتفت إلي يحيى بن أكثم وقال جوابه في هذا عليك وكان العطوي من أهل الجدل والكلام فالتفت إلى إسحاق وقلت أخبرني يا با محمد إذا قيل من اعلم الناس بالشعر واللغة أيقولون إسحاق أن الأصمعي وأبو عبيدة قال بل الأصمعي وأبو عبيدة قال فإن قيل من أعلم الناس بالنحو أيقولون إسحاق أم الخليل وسيبويه قال بل الخليل وسيبويه قال فإن قيل من أعلم الناس بالأنساب أيقولون إسحاق أم ابن الكلبي قال بل ابن الكلبي قال فإن قيل من أعلم الناس بالكلام أيقولون إسحاق أم أبو الهذيل والنظام قال بل أبو الهذيل والنظام قال فإن قيل من أعلم الناس بلفقه أيقولون إسحاق أم أبو حنيفة وأبو يوسف قال بل أبو حنيفة وأبو يوسف قال فإن قيل من أعلم الناس بالحديث أيقولون إسحاق أم علي بن المديني ويحيى بن معين قال بل علي بن المديني ويحيى بن معين قال فإذا قيل من أعلم الناس بالغناء أيجوز أن يقول قائل فلان أعلم من إسحاق قال لا قلت فمن ههنا نسبت إلى ما نسبت إليه لأنه لا نظير لك فيه وأنت في غيره لك نظراء فضحك وقام وانصرف فقال يحيى بن أكثم لقد وفيت الحجة وفيها ظلم قليل لإسحاق لأنه ربما ماثل أو زاد على من فضلته عليه وإنه ليقل في الزمان نظيره وسأل إسحاق الموصلي المأمون أن يكون دخوله إليه مع أهل العلم والأدب لا مع المغنين وإذا أراد الغناء غناه فأجابه إلى ذلك ثم سأله بعد ذلك أن يكون دخوله مع الفقهاء فأذن له في ذلك فكان يدخل ويده في يد القضاة حتى يجلس بين يدي المأمون ثم مضت على ذلك مدة فسأله لبس السواد يوم الجمعة والصلاة معه في المقصورة فضحك المأمون وقال ولا كل هذا يا إسحاق وقد اشتريت منك هذه المسألة بمائة ألف درهم وأمر له بها وقال الأصمعي خرجت مع الرشيد إلى الرقة فلقيت إسحاق فقلت له هل حملت شيئا من كتبك فقال حملت ما خف