الصفدي

111

الوافي بالوفيات

يخشى أن يحصل نفور من التغالي في وصف الدموع بأنها سيول فيهول من أمرها ما يهول ويقول هل الدمع إلا ماء يرش به بين يدي الطيف وهل الهدب على تقدير أنها دخان إلا ما لعله يرتفع لما يقرى به الضيف وعن إيراد الجفون بهذا وإسخان العيون بهذه هل هما لإيلاف الخيال إلا ما يقصده من رحلة الشتاء والصيف ثم يحتقر المملوك إنسان عينه عن أنه يلزمه لهذا الأمر تكليفا ويتدبر قوله تعالى وخلق الإنسان ضعيفا ويقول له لا تطيق القيام لهذه الزورة الشريفة من الوظيفة لأن النوم سلطان وأي يد لك مع خليفة الحبيب خليفة الحبيب ويد الخلافة لا تطاولها يد والعيون في الصبا أو الكبر لا توصف إلا بأنها ضعيفة فيقول كم مثلي إنسان تطاول لاستزارة الطيف حتى طرق وكم خيال أتى على أعين الناس فجاء محمولا على الحدق وكم محب درأ عن النوم بشبهة تغميض الأجفان عن غير عمد حد القطع على السرق ثم يأخذ في طريقة غير هذه الطريقة ويرى الاكتفاء بالمجاز عن الحقيقة وإذا أومأت العين للحجة في تصويب استزارة الخيال تقول ما هذه من الحجج التي تسمى وثيقة وترى أن تمثل الشخص لشريف في الخاطر قد أغناه عن أنه ينقله من الكرى وكفاه أنه ينشد سر الخيال بطيفه لما سرى ولم يحوجه حاشاه إلى أنه يزور له محضرا ولا أنه ينشد أترى درى ذاك الرقيب بما جرى ) اللهم ليورد مورد العين انفع ما يدخر والعين الصافية ما برح عندها من الخيال الخبر وإذا كان القلب متولي الحرب مع الأشواق فكيف يشاحح الخيال على أنه متولي النظر فحينئذ يسكن إلى الوسن ويمد له من الهدب الرسن ويزور ويستزير ويقصر ويتلو ويعفو عن كثير ويذهب لأجل ذاك مذهب من يقدم على الأيام الليالي ويعظمها لأنه مظنة هجوم الخيال ويجعل جفونه أرض تلك الهجمة التي يغلب عليها وما برحت تغلب لها أرض الجبال وأما النيل فكم احتقره المملوك بالنسبة إلى كرم مولانا ونواله ويكره مذاقه بالإضافة إلى زلاله ويحقق أن مقياس راحته هو الذي يستسعد به الأمم وإن الأصابع من الأصابع الكريمة والعمود القلم وأن طالب ورد ذاك تعب وطالب جود سيدنا مستريح ويكفي واصف نواله له وهو غاية المديح قلت هذان كتابان بين كاتبين كانا فاضلي عصرهما وكاملي دهرهما كل منهما اعتنى بما كتب والمعنى واحد فأنت ترى كتاب ابن عبد الظاهر مشحونا بالتورية والاستخدام وهو أميل إلى الطريقة الفاضلية على أن كلا منهما حل منظوم الناس وأشار إلى أبيات مشهورة وأحال عليها ولكن محاسن ابن عبد الظاهر التي من كيسه أحسن ولو كان هذا موضع الكلام لأوردت الأبيات التي حلاها وساقها كل منهما في مكاتبته وحلاها ولكن لا يخفي ذلك على المطلع الفاضل ومن شعر كمال الدين ابن العطار رحمه الله تعالى * ولما بدا مرخى الذوائب وانثنى * ضحوك الثنايا مرسل الصدغ في الخد * * بدا البدر في الظلماء والغصن في النقا * وزهر الربا في الروض والآس في الورد *