الصفدي

229

الوافي بالوفيات

هذا لفاظة ترتجع من الأفواه وأنا أكره ذلك في مجلس الأمير فقال عبد الله ليس بصاحبك ممن احتشمك واحتشمته أما إنه لو قسم عقلك على مائة رجل لصار كل رجل منهم عاقلا ولما قلد المأمون عبد الله بن طاهر ولاية خراسان وناوله العهد بيده قال حاجة يا أمير المؤمنين قال مقضية قال يسعفني أمير المؤمنين باستصحاب ثلاثة من العلماء قال من هم قال الحسين بن الفضل البجلي وأبو سيعد الضرير وأبو إسحاق القرشي فأجابه إلى ذلك فقال عبد الله وطبيب يا أمير المؤمنين فليس في خراسان طبيب حاذق قال من قال أيوب الرهاوي قال يا أبا العباس لقد أسعفناك بما التمسته وقد أخليت العراق من الأفراد وكان أبو سيعد يوما في مجلسه إذا هجم عليه مجنون من أهل قم فسقط على جماعة من أهل المجلس فاضطرب الناس لسقوطه ووثب أبو سعيد لا يشك أن ذلك آفة لحقتهم من سقوط جدار أو شرود بهيمة فلما رآه المجنون على تلك الحالة قال الحمد لله رب العالمين على رسلك يا شيخ لا ترع آذاني هؤلاء الصبيان وأخرجوني عن طبعي إلى ما لا استحسنه من يغري فقال أبو سعيد امنعوا منه عافاكم الله فوثبوا وشردوا من كان يعبث به وسكت ساعة لا يتكلم إلى أن عاد المجلس إلى ما كانوا عليه من المذاكرة فابتدأ بعضهم بقراءة قصيدة من شعر نهشل بن جرير التميمي حتى بلغ قوله * غلامان خاضا الموت من كل جانب * فآبا ولم يعقد وراءهما يد ) * ( متى يلقيا قرنا فلا بد أنه * سيلقاه مكروه من الموت أسود * فما استتم هذا البيت حتى قال المجنون قف يا أيها القارئ تتجاوز المعنى ولا تسأل عنه ما معنى قوله ولم يعقد وراءهما يد فأمسك من حضر عن القول فقال قل يا شيخ فإنك المنظور إليه والمقتدى به فقال أبو سعيد يقول إنهما رميا بنفسيهما في الحرب أقصى مرامهما ورجعا موفورين لم يؤسرا فتعقد أيديهما كتافا فقال يا شيخ أترضى لنفسك بهذا الجواب فأنكرنا ذلك على المجنون فقال أبو سيعد هذا الذي عندنا فما عندك فقال المعنى يا شيخ آبا ولم تعقد يد بمثل فعلهما بعدهما لأنهما فعلا ما لم يفعله أحد كما قال الشاعر * قرم إذا عدت تميم معا * ساداتها عدوه بالخنصر * * ألبسه الله ثياب الندى * فلم تطل عنه ولم تقصر * أي خلقت له وقريب من الأول قوله * قومي بنو مذحج من خير الأمم * لا يصعدون قدما على قدم * يعني يتقدمون الناس ولا يطئون على عقب أحد وهذان فعلا ما لم يعطه أحد فاحمر وجه أبي سعيد واستحيى من أصحابه ثم غطى المجنون رأسه وخرج وهو يقول يتصدرون فيغرون الناس من أنفسهم فقال أبو سعيد بعد خروجه اطلبوه فإنني أظنه إبليس فلم يظفر به