ابن عبد البر
551
الاستذكار
قال أبو عمر من أهل العلم من يروي حديث بن شهاب هذا وأنا الدهر بالرفع فيكون بمعنى حديث مالك وما كان مثله ومنهم من يرويه بنصب الدهر على الصرف كأنه قال أنا الدهر كله بيدي الأمر أقلب الليل والنهار وما فيهما وقد ذكرنا أسانيد هذه الأحاديث كلها في التمهيد قال أبو عمر المعنى عند جماعة العلماء في هذا الحديث أنه ورد نهيا عن ما كان أهل الجاهلية يقولونه من ذم الدهر وسبه لما ينزل من المصائب في الأموال والأنفس وكانوا يضيفون ذلك إلى الدهر ويسبونه ويذمونه بذلك على أنه الفاعل ذلك بهم وإذا وقع سبهم على من فعل ذلك بهم وقع على الله عز وجل فجاء النهي عن ذلك تنزيها لله تعالى وإجلالا له لما فيه من مضارعة سب الله وذمه تعالى الله عما يقول الجاهلون علوا كبيرا قال امرؤ القيس ( ألا إنما ذا الدهر يوم وليلة * وليس على شيء قويم بمستمر ) وقد ذكرنا كثيرا من أشعارهم في التمهيد بهذا المعنى وهو شيء لم يكن يسلم منه أحد ولم ينه عنه إلا من عصمه الله - عز وجل - بتوفيقه ويسره للعمل بعلمه بل هو كثير جار في الإسلام كما كان في الجاهلية يذم الدهر مرة ويذم الزمان تارة وتذم الليالي والأيام مرة وتذم الدنيا أيضا وكل ذلك لا يجوز على [ معنى ] ما وصفنا وبالله التوفيق إلا أن أهل الإيمان إذا ذموا الدهر والزمان لم يقصدوا بذلك إلا الدهر على قبيح ما يرى منهم كما قال حكيم من شعرائهم ( يذم الناس كلهم الزمانا * وما لزماننا عيب سوانا ) ( نذم زماننا والعيب فينا * ولو نطق الزمان بنا هجانا ) ( وإن الذي لحم ذئب * ويأكل بعضنا بعضا عيانا ) وربما كان ذمهم للدهر على معنى الاعتبار بما تأتي به المقادير في الليل والنهار كما قال أبو العتاهية ( سل القصر أودى أهله أين أهله * أكلهم عنه تبدد شمله ) ( أكلهم قضت يد الدهر جمعه * وأفتاه قص الدهر يوما وقتله ) ( أخي أرى الدهر نبلا مصيبة * إذا ما رمانا الدهر لم تخط نبله ) ( فلم أر مثل الدهر في طول عدوه * ولا مثل ريب الدهر يؤمن ختله