ابن عبد البر

446

الاستذكار

وقد ذكرت إسناد هذا الحديث في التمهيد قالوا فهذا يبين أن نهيه في ذلك منسوخ وأقل أحوال الآثار في ذلك أن تتعارض فتسقط وأصل الأمور الإباحة حتى يثبت الحظر بما لا معارض له هذا ما نزع به من ذهب مذهب داود وليس حديث جابر الذي عولوا عليه في النسخ مما يحتج به عند أهل العلم بالنقل ولا مما يعتمد على مثله والله أعلم وقد أوضحنا هذا المعنى في التمهيد والحمد لله وكان مجاهد وإبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين يكرهون أن تستدبر إحدى القبلتين أو تستقبل لغائط أو بول الكعبة وبيت المقدس وهؤلاء غاب عنهم وخفي عليهم ما علمه غيرهم وبالله التوفيق قال أبو عمر من الدليل على أن نهيه صلى الله عليه وسلم استقبال القبلة بالبول والغائط إنما عنى به الصحارى والفضاء والفيافي دون كنف البيوت قوله في حديث عائشة استقبلوا بمقعد القبلة والمقعد لا يكون إلا في البيوت ومثل هذا حديث بن عمر كان منه بالمدينة رآه على سطح أشرف عليه منه فرآه على لبنتين يقضي حاجته إلى ناحية القبلة ويدل أيضا على ذلك أن متبرز القوم إنما كان أكثره في الصحراء وخارجا من البيوت ألا ترى أن ما جاء في حديث الإفك من قول عائشة ( رحمها الله ) وكانت بيوتنا لا مراحيض لها وإنما أمرنا أمر العرب الأول تعني البعد في البراز وقال بعض أصحابنا إنما وقع النهي عن الصحارى لأن الملائكة تصلي في الصحارى وأما قوله في الحديث كيف أصنع بهذه الكرابيس فهي المراحيض واحدها كرباس مثل سربال وسرابيل وقد قيل إن الكرابيس مراحيض العرب وأما مراحيض البيوت فإنما يقال لها الكنف