ابن عبد البر
256
الاستذكار
عن الحسن البصري قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون في أسفارهم على دوابهم أينما كانت وجوههم وهذا أمر مجتمع عليه لا خلاف فيه بين العلماء كلهم في تطوع المسافر على دابته حيث توجهت به للقبلة وغيرها يومئ إيماء يجعل السجود أخفض من الركوع ويتشهد ويسلم وهو جالس على دابته وفي محله إلا أن بينهم جماعة يستحبون أن يفتتح المصلي صلاته إلى القبلة في تطوعه على دابته محرم بها وهو مستقبل القبلة ثم لا يبالي حيث توجهت به ومنهم من لم يستحب ذلك وقال كما يجوز أن يكون في سائر صلاة إلى غير القبلة عامدا وهو عالم بذلك فكذلك يجوز افتتاحها إلى غير القبلة وإلى هذا ذهب مالك وأصحابه وذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور إلى القول الأول واحتج بعضهم بحديث الجارود بن أبي سبرة عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبر ثم صلى حيث وجهه ركابه ( 1 ) وقد ذكرنا إسناده في التمهيد وقال أحمد بن حنبل وأبو ثور هكذا ينبغي أن يفعل من يتنفل على راحلته في السفر وكان عبد الله بن عمر يقول في قول الله تعالى * ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) * [ البقرة 115 ] أنها نزلت في صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره التطوع على الراحلة وهو تأويل حسن للآية تعضده السنة وفي الآية قولان غير هذا أحدهما أنها نزلت في قول اليهود في القبلة