تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر للسيد محمود الشاهرودي
209
بحوث في علم الأصول
بين الإيجاد والوجود في امر تكويني وهو محال ، فإذا كانت الإرادة فعلية لفعلية شرطها وهو الوجود اللحاظي للشرط - كالعطش - فلا محالة تكون محركة نحو المقدمات المفوتة . لأن فاعليتها تامة من سائر الجهات الا من الجهة التي فرضت الإرادة منوطة بلحاظها ، فهذا المسلك لو تم يمس روح المشكلة الا انه غير تام كما بينا سابقا ، لأن مجرد لحاظ العطش وتصوره لا يوجب الشوق والإرادة لشرب الماء بل لا بد من العطش حقيقة أو إحرازا . والحل الصحيح للمشكلة والَّذي يمس روح الإشكال انما يكون بالرجوع إلى ما بيناه في الواجب المشروط وحقيقة الإرادة التشريعية في مورده وانها تنحل إلى إرادتين . بيان ذلك : انه تارة يفترض ان القدرة على المطلوب الاستقبالي في وقته أيضا من قيود الاتصاف بحيث لا حاجة مع العجز ، فلا إشكال عندئذ في عدم الاهتمام بالمقدمات المفوتة لا في الأغراض التكوينية ولا التشريعية ، وانما البحث فيما إذا لم تكن القدرة على الواجب من قيود الاتصاف - كما في مثال العطش - وهنا انما يهتم الإنسان بالمقدمات المفوتة قبل وقت الاتصاف والحاجة باعتبار ما ذكرناه فيما سبق من أن للإنسان في موارد الإرادة المشروطة بحسب الحقيقة إرادتين . إحداهما - إرادة الجزاء ، وهو شرب الماء وهذه مشروطة بتحقق العطش أو إحرازه ، اما قبله فلا شوق ولا إرادة لشرب الماء ، بل قد يبغضه لمنافرته مع طبعه . والأخرى - إرادة الجامع بين عدم الشرط أو وجود الجزاء ، أي الجامع بين ان لا يعطش أو يشرب الماء على تقدير العطش أي إرادة الارتواء الَّذي هو الجامع الملائم مع طبعه ، وهذه إرادة فعلية غير مشروطة بشيء ، وهذه الإرادة الفعلية للجامع هي في الحقيقة ما يعبر عنه بحب الذات وحب بقاء الذات وحب ما يلائمها الَّذي هو امر غريزي ذاتي في كل فرد . ومن هذه الإرادة الفعلية تنقدح إرادة غيرية تجاه المقدمات المفوتة للجزاء وهو شرب الماء في المثال قبل تحقق شرط الاتصاف وهو العطش ، لأنه يعلم بأنه لو لم يحققها من قبل فسوف يفقد ذلك الجامع ويبتلي بما ينافر ذاته ، وهذا ما يتجنبه ويبتعد عنه في كل آن ، لأنه يحب ذاته وما يلائمها وينطلق منها دائما بحكم الفطرة .