ابن عطية الأندلسي

499

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

أنهم كانوا من أبناء الأشراف فحضر عيد لأهل المدينة فرأى الفتيان ما يمتثله الناس في ذلك العيد من الكفر وعبادة الأصنام والذبح لها فوقع الإيمان في قلوبهم وأجمعوا على مفارقة الناس لئلا ينالهم العذاب معهم فزايلوا الناس وذهبوا إلى الكهف وروى وهب بن منبه أن أمرهم إنما كان إن حواريا لعيسى ابن مريم جاء إلى مدينة أصحاب الكهف يريد دخولها فآجر نفسه من صاحب الحمام فكان يعمل فيه فرأى صاحب الحمام في أعماله بركة عظيمة فألقى إليه بكل أمره وعرف ذلك الرجل فتيان من أهل المدينة فنشر فيهم الإيمان وعرفهم الله تعالى فآمنوا واتبعوه على دينه واشتهرت خلطتهم به فأتى يوما إلى ذلك الحمام ولد الملك بامرأة بغي أراد الخلوة بها فنهاه ذلك الحواري فانتهى ثم جاءه مرة أخرى فنهاه فشتمه وأمضى عزمه في دخول الحمام مع البغي فدخل فماتا فيه جميعا فاتهم ذلك الحواري وأصحابه بقتله ففروا جميعا حتى دخلوا الكهف وقال عبيد بن عمير إن أصحاب الكهف كانوا فتية أبناء العظماء مطوقين مسورين ذوي ذوائب قد داخلهم الإيمان أفذاذا وأزمع واحد منهم الفرار بدينه من بلد الكفر فأخرجهم الله في يوم واحد لما أراده بهم فخرج أحدهم فجلس في ظل شجرة على بعد من المدينة فخرج ثان فلما رأى الجالس جلس إليه ثم الثالث ثم الباقون حتى كمل جميعهم في ظل الشجرة فألقى الله في نفوسهم أن غرضهم واحد فتساءلوا ففزع بعضهم من بعض وتكتموا ثم تراضوا برجلين منهم وقالوا لنفرد أو تواثقا وليفش كل واحد منكما سره إلى صاحبه فإن اتفقتما كنا معكما فنهضا بعيدا وتكلما فأفصحا بالإيمان والهروب بالدين فرجعا وفضحا الأمر وتابعهما الآخرون ونهضوا إلى الكهف وأما الكلب فروي أنه كان كلب صيد لبعضهم وروي أنهم وجدوا في طريقهم راعيا له كلب فاتبعهم الراعي على رأيهم وذهب الكلب معهم واسم الكلب حمران وقيل قطير فدخلوا الغار على جميع هذه الأقوال فروت فرقة أن الله عز وجل ضرب على آذانهم عند ذلك لما أراده من سترهم وخفي على أهل المملكة مكانهم وعجب الناس من غرابة فقدهم فأرخوا ذلك ورقموه في لوحين من رصاص أو نحاس وجعلوه على باب المدينة فيه أسماؤهم وأسماء آبائهم وذكر شرفهم وأنهم فقدوا بصورة كذا في وقت كذا وقيل إن الذي كتب هذا وتهمم به رجلان قاضيان مؤمنان يكتمان إيمانهما من أهل بيت المملكة وتسترا بذلك ودفنا اللوحين عندهما وقيل على الرواية بأن الملك أتى باب الغار وأنهما دفنا ذلك في بناء الملك على الغار وروت فرقة أن الملك لما ذهب الفتية أمر بقص آثارهم فانتهى ذلك بمتبعيهم إلى باب الغار فعرف الملك فركب في جنده حتى وقف عليه فأمر بالدخول عليهم فهاب الرجال ذلك فقال له بعض وزرائه ألست أيها الملك إن أخرجتهم قتلتهم قال نعم قال فأي قتلة أبلغ من الجوع والعطش ابن عليهم باب الغار ودعهم يموتوا فيه ففعل وقد ضرب الله على آذانهم قبل ذلك لما أراد من تأمينهم وأرخ الناس أمرهم في اللوحين أو أرخه الرجلان بحسب الخلاف واسم أحد الرجلين فيما ذكر الطبري بندروس واسم الآخر روناس وروي أن هذا الملك الذي فر الفتية من دينه كان قد امتحن الله به المؤمنين حيث أحس بهم يقتلهم ويعلقهم أشخاصا ورؤوسا على أسوار مدينته وكان يريد أن يذهب فيما ذكر دين عيسى وكان هو وقومه من الروم ثم أخبر الله تعالى عن الفتية أنهم لما أووا إلى الكهف أي دخلوه وجعلوه مأوى لهم وموضع اعتصام دعوا الله تعالى بأن يؤتيهم من عنده رحمة وهي الرزق فيما ذكر