ابن عطية الأندلسي

328

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

قال القاضي أبو محمد وهو معنى صحيح وذلك أن الوعد وقع بغفران الشرك وما معه من المعاصي وبقي ما يستأنفه أحدهم بعد إيمانه من المعاصي مسكوتا عنه ليبقى معه في مشيئة الله تعالى فالغفران إنما نفذ به الوعد في البعض فصح معنى ( من ) . وقوله * ( ويؤخركم إلى أجل مسمى ) * قد تقدم القول فيه في سورة الأعراف في قوله * ( ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) * وجلبت هذه هناك بسبب ما يظهر بين الآيتين من التعارض . ويليق هنا أن نذكر مسألة المقتول هل قطع أجله أم ذلك هو أجله المحتوم عليه . فالأول هو قول المعتزلة والثاني قول أهل السنة . فتقول المعتزلة لو لم يقتله لعاش وهذا سبب القود . وقالت فرقة من أهل السنة لو لم يقتله لمات حتف أنفه . قال أبو المعالي وهذا كله تخبط وإنما هو أجله الذي سبق في القضاء أنه يموت فيه على تلك الصفة فمحال أن يقع غير ذلك فإن فرضنا أنه لو لم يقتله وفرضنا مع ذلك أن علم الله سبق بأنه لا يقتله بقي أمره في حيز الجواز في أن يعيش أو يقتل وكيفما كان علم الله تعالى يسبق فيه . وقول الكفرة * ( إن أنتم إلا بشر مثلنا ) * فيه استبعاد بعثة البشر وقال بعض الناس بل أرادوا إحالته وذهبوا مذهب البراهمة أو من يقول من الفلاسفة إن الأجناس لا يقع فيها هذا التباين . قال القاضي أبو محمد وظاهر كلامهم لا يقتضي أنهم أغمضوا هذا الإغماض ويدل على ما ذكرت أنهم طلبوا منهم الإتيان بآية و " سلطان مبين " ولو كانت بعثتهم عندهم محالا لما طلبوا منهم حجة ويحتمل أن طلبهم منهم السلطان إنما هو على جهة التعجيز أي بعثتكم محال وإلا * ( فأتونا بسلطان مبين ) * أي إنكم لا تفعلون ذلك أبدا فيتقوى بهذا الاحتمال منحاهم إلى مذهب الفلاسفة . قوله عز وجل سورة 11 - 12 المعنى صدقتم في قولكم أي بشر مثلكم في الأشخاص والخلقة لكن تبايننا بفضل الله ومنه الذي يختص به من يشاء . قال القاضي أبو محمد ففارقوهم في المعنى بخلاف قوله تعالى * ( كأنهم حمر ) * فإن ذلك في المعنى لا في الهيئة .