ابن عطية الأندلسي

528

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

قال القاضي أبو محمد فمذهب عمر أن الفتنة الشرك في هذه الآية وهو الظاهر وفسر هذه الآية قول النبي صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ومن قال المعنى حتى لا يكون شرك فالآية عنده يريد بها الخصوص فيمن لا يقبل منه جزية قال ابن سلام وهي في مشركي العرب ثم قال الله تعالى * ( فإن انتهوا ) * أي عن الكفر فإن الله بصير بعملهم مجاز عليه عنده ثوابه وجميل المعاوضة عليه وقرأ يعقوب بن إسحاق وسلام بن سليمان بما تعملون بالتاء أي في قتالكم وجدكم وجلادكم عن دينه وقوله تعالى * ( وإن تولوا ) * الآية معادل لقوله * ( فإن انتهوا ) * والمعنى فإن انتهوا عن الكفر فالله مجازيهم أو مجازيكم على قراءة تعملون وإن تولوا ولم ينتهوا فاعلموا أن الله ينصركم عليهم وهذا وعد محض بالنصر والظفر أي فجدوا والمولى ها هنا الموالي والمعين والمولى في اللغة على معان هذا هو الذي يليق بهذا الموضع منها والمولى الذي هو السيد المقترن بالعبد يعم المؤمنين والمشركين قوله عز وجل سورة الأنفال 41 موضع أن الثانية رفع التقدير فحكمه أن فهي في موضع خبر الابتداء والغنيمة في اللغة ما يناله الرجل أو الجماعة بسعي من ذلك قول الشاعر امرؤ القيس ( وقد طفت في الآفاق حتى * رضيت من الغنيمة بالإياب ) الوافر وقال آخر ( ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه * أنى توجه والمحروم محروم ) البسيط ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الرهن ( له غنمه وعليه حرمه ) وقوله الصيام في الشتاء هو الغنيمة الباردة فالشيء الذي يناله المسلمون من عدوهم بالسعي وإيجاف الخيل والركاب غنيمة ولزم هذا الاسم هذا المعنى حتى صار عرفا له والفيء مأخوذ من فاء إذا رجع وهو كل ما دخل على المسلمين من غير حرب ولا إيجاف كخراج الأرض وجزية الجماجم وخمس الغنيمة ونحو هذا قال القاضي أبو محمد والزكوات أيضا مال على حدته أحكامه منفردة دون أحكام هذين قال سفيان الثوري وعطاء بن السائب الغنيمة ما أخذ عنوة والفيء ما أخذ صلحا وهذا قريب مما بيناه وقال قتادة الفيء والغنيمة شيء واحد فيهما الخمس وهذه الآية التي في الأنفال ناسخة لقوله في سورة الحشر " وما أفاء الله على رسوله من أهل القرى " وذلك أن تلك كانت الحكم أولا ثم أعطى الله أهلها الخمس فقط وجعل الأربعة الأخماس في المقاتلين