ابن عطية الأندلسي
383
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
وقياسها على ما فيها فيرجع الناظر بعد ذلك ينظر على أي جهة يحملها من الإجازة والمنع فقال بعضهم إذا نزل مثل هذا فنحمله على الحظر ونأخذ فيه بالشدة ونستبرىء لأنفسنا إذ الله عز وجل قد بين لنا في كتابه جميع ما يجب بيانه وأحل ما أراد تحليله ولم يترك ذكر هذه النازلة إلا عن قصد فاجترامنا نحن عليها لا تقتضيه الشريعة وقال بعضهم بل نحملها على الإباحة لأن الله عز وجل قد أكمل لنا ديننا وحرم علينا ما شاء تحريمه ولم يهمل النص على نازلة إلا وقد تركها في جملة المباح وبعيد أن يريد في شيء التحريم ولا يذكره لنا ويدعنا في عمى الجهالة به فإنما نحملها على الإباحة حتى يطرأ الحظر وقال بعضهم بل نحمل ذلك على الوقف أبدا ولا نحكم فيه بحظر ولا إباحة بل نطلب فيه النظر والقياس أبدا وذلك أنا نجد الله عز وجل يقول في كتابه " حرك عليكم " في مواضع ويقول * ( أحل لكم ) * في مواضع فدل ذلك على أن كل نازلة تحتاج إلى شرع وأمر إما مخصوصا بها وإما مشتملا عليها وعلى غيرها ولو كانت الأشياء على الحظر لما قال في شيء حرم عليكم ولو كانت على الإباحة لما قال في شيء أحل لكم قال القاضي أبو محمد وهذا أبين الأقوال ولم يتعرض الفقهاء في هذه المسألة إلى النظر في تحسين العقل وتقبيحه وإنما تمسكوا في أقوالهم هذه بأسباب الشريعة وذهبوا إلى انتزاع مذاهبهم منها وأما الضرب الثاني من كلام الناس في الحظر والإباحة فإن المعتزلة ومن قال بقولهم إن العقل يحسن ويقبح نظروا في المسألة من هذه الجهة فقالوا نفرض زمنا لا شرع فيه أو رجلا نشأ في برية ولم يحس قط بشرع ولا بأمر ولا بنهي أو نقدر آدم عليه السلام وقت إهباطه إلى الأرض قد ترك وعقله قبل أن يؤمر وينهى كيف كانت الأشياء عليه أو كيف يقتضي العقل في الزمن والرجل المفروضين فقال بعضهم الذي يحسن في العقل أن تكون محظورة كلها حتى يرد الإذن باستباحتها وذلك أن استباحتها تعد على ملك الغير وإذا قبح ذلك في الشاهد فهو في حق الله أعظم حرمة وذهب بعض هذه الفرقة إلى استثناء التنفس والحركة من هذا الحظر وقالوا إن هذه لا يمكن غيرها قال القاضي أبو محمد ويمكن أن يقدر الاضطرار إليها إباحة لها وقال بعضهم بل يحسن في العقل أن تكون مباحة إذ التحكم في ملك الغير بوجه لا ضرر عليه فيه كالاستظلال بالجدران ونحوه مباح فإذا كان هذا في الشاهد جائزا فهو في عظم قدر الله تعالى ووجوده أجوز إذ لا ضرر في تصرفنا نحن في ملكه ويتعلق بحقه شيء من ذلك وقال أهل الحق والسنة في هذا النحو من النظر بل الأمر في نفسه على الوقف ولا يوجب العقل تحسينا ولا تقبيحا بمجرده يدان به ولا يتجه حكم الحسن والقبيح إلا بالشرع وقال بعضهم والعقل لم يخل قط من شرع فلا معنى للخوض في هذه المسألة ولا لفرض ما لا يقع وذهبوا إلى الاحتجاج بأن آدم عليه السلام قد توجهت عليه الأوامر والنواهي في الجنة بقوله تعالى له حين جرى الروح في جسده فعطس قل الحمد لله يا آدم وبقوله اسكن وكل ولا تقرب ونحو هذا وقال القاضي ابن الباقلاني في التقريب والإرشاد إن الفقهاء الذين قالوا بالحظر والإباحة لم يقصدوا الكون مع المعتزلة في غوايتهم ولكنهم رأوا لهم كلاما ملفقا مموها فاستحسنوه دون أن يشعروا بما يؤول إليه من الفساد في القول بتحسين العقل وتقبيحه قال القاضي أبو محمد وفي هذا الكلام حمل على فقهاء الشرع واستقصار لهم والصواب أن لا