ابن عطية الأندلسي
376
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
وروي هذا القول عن مجاهد والضحاك وغيره وكذلك استعير على قولهم الثقل والخفة لكثرة الحسنات وقلتها وقال جمهور الأمة إن الله عز وجل أراد أن يعرض لعباده يوم القيامة تحرير النظم وغاية العدل بأمر قد عرفوه في الدنيا وعهدته أفهامهم فميزان القيامة له عمود وكفتان على هيئة موازين الدنيا قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه صاحب الموازين يوم القيامة جبريل عليه السلام وقالوا هذا الذي اقتضاه لفظ القرآن ولم يرده نظر قال القاضي أبو محمد فينبغي أن يجري في هذه الألفاظ إلى حملها عن حقائقها وأما الثقل والخفة فإن الآثار تظاهرت بأن صحائف الحسنات والسيئات توضع في كفتي الميزان فيحدث الله في الجهة التي يريد ثقلا وخفة على نحو إحداثه ذلك في جسم رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقت نزول الوحي عليه ففي الصحيح من حديث زيد بن ثابت أنه قال كنت أكتب حتى نزلت * ( غير أولي الضرر ) * وفخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي حتى كادت أن ترض فخذي وفي الحديث أنه كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته بركت به عجزا عن حمله لثقل الحادث فيه ولا بد لنا أن نعلم أن الثقل الحادث مع الحسنات إنما يتعلق بجسم إذ العرض لا يقوم بالعرض فجائز أن يحدث الثقل في الصحائف وهو أقربها إلى الظن وجائز أن يحدث في ذلك من الأجسام المجاورة لتلك الحال وإلى حدوثه في الصحائف ذهب أبو المعالي ورويت في خبر الميزان آثار عن صحابة وتابعين في هيئته وطوله وأحواله لم تصح بالإسناد فلم نر للإطالة بها وجها وقال الحسن فيما روي عنه بلغني أن لكل أحد يوم القيامة ميزانا على حدة قال القاضي أبو محمد وهذا قول مردود الناس على خلافه وإنما لكل أحد وزن يختص به والميزان واحد وروي عن مجاهد في قوله * ( ثقلت موازينه ) * أن الموازين الحسنات نفسها قال القاضي أبو محمد وجمع لفظ الموازين إذ في الميزان موزونات كثيرة فكأنه أراد التنبيه عليها بجمعه لفظ الميزان و * ( المفلحون ) * في اللغة المدركون لبغيتهم الناجحون في طلبهم ومنه قول عبيد ( أفلح بما شئت فقد يبلغ بالضعف * وقد يخدع الأريب ) الرجز فأما قول الشاعر ( والمسي والصبح لا فلاح معه * ) المنسرح فقد قيل إنه بمعنى البقاء قال القاضي أبو محمد والبقاء بلوغ بغية فالمعنيان متقاربان ووزن الله تعالى أعمال العباد مع علمه بدقائق الأشياء وجلائلها نظير كتبه أعمالهم في صحائفهم واستنساخه ذلك ونظير استنطاقه جوارحهم بالشهادة عليهم إقامة للحجة وإيضاحا فقد تقرر في الشرع أن كلمة التوحيد ترجح ميزان من وزنت في أعماله ولا بد فإن قال قائل كيف تثقل موازين العصاة من المؤمنين بالتوحيد ويصح لهم حكم الفلاح ثم