ابن عطية الأندلسي

356

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقت شيء محرم غير هذه الأشياء ثم نزلت سورة المائدة بالمدينة وزيد في المحرمات كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة فإن هذه وإن كانت في حكم الميتة فكان في النظر احتمال أن تلحق بالمذكيات لأنها بأسباب وليست حتف الأنف فلما بين النص إلحاقها بالميتة كانت زيادة في المحرمات ثم نزل النص على رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريم الخمر بوحي غير منجز وبتحريم كل ذي ناب من السباع فهذه كلها زيادات في التحريم ولفظة التحريم إذا وردت على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها صالحة أن تنتهي بالشيء المذكور إلى غاية المنع والحظر وصالحة بحسب اللغة أن تقف دون الغاية في حيز الكراهية ونحوها فما اقترنت به قرينة التسليم من الصحابة المتأولين وأجمع عليه الكل منهم ولم يضطرب فيه ألفاظ الأحاديث وأمضاه الناس على إذلالة وجب بالشرع أن يكون تحريمه قد وصل الغاية من الحظر والمنع ولحق بالخنزير والميتة وهذه صفة تحريم الخمر وما اقترنت به قرينة ألفاظ الحديث واختلفت الأمة فيه مع علمهم بالأحاديث كقوله صلى الله عليه وسلم ( كل ذي ناب من السباع حرام ) وقد روي عنه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع ثم اختلف الصحابة ومن بعدهم في تحريم ذلك فجاز لهذه الوجوه لمن ينظر أن يجمل لفظ التحريم على المنع الذي هو الكراهية ونحوها وما اقترنت به قرينة التأويل كتحريمه عليه السلام لحوم الحمر الإنسية فتأول بعض الصحابة الحاضرين ذلك لأنها لم تخمس وتأول بعضهم أن ذلك لئلا تفنى حمولة الناس وتأول بعضهم التحريم المحض وثبت في الأمة الاختلاف في تحريم لحمها فجائز لمن ينظر من العلماء أن يحمل لفظ التحريم بحسب اجتهاده وقياسه على كراهية أو نحوها وروي عن ابن عامر أنه قرأ فيما أوحى إلي بفتح الهمزة والحاء وقرأ جمهور الناس يطعمه وقرأ أبو جعفر محمد بن علي يطعمه بتشديد الطاء وكسر العين وقرأ محمد بن الحنفية وعائشة وأصحاب عبد الله طعمه بفعل ماض وقرأ نافع والكسائي وأبو عمر وعاصم إلا أن يكون بالياء على تقدير إلا أن يكون المطعوم وقرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمرو أيضا إلا أن تكون بالتاء من فوق ميتة على تقدير إلا أن تكون المطعومة وقرأ ابن عامر وحده وذكرها مكي عن أبي جعفر إلا أن تكون بالتاء ميتة بالرفع على أن تجعل تكون بمعنى تقع ويحتاج على هذه القراءة أن يعطف * ( أو دما ) * على موضع أن تكون لأنها في موضع نصب بالاستثناء والمسفوح الجاري الذي يسيل وجعل الله هذا فرقا بين القليل والكثير والمنسفح السائل من الدم ونحوه ومنه قول الشاعر وهو طرفة إذا ما عاده منا نساء * سفحن الدمع من بعد الرنين ) وقول امرئ القيس وإن شفائي عبرة إن سفحتها فالدم المختلط باللحم والدم الخارج من مرق اللحم وما شاكل هذا حلال والدم غير المسفوح هو هذا وهو معفو عنه وقيل لأبي مجلز في القدر تعلوها الحمرة من الدم قال إنما حرم الله المسفوح وقالت نحوه عائشة وغيرها وعليه إجماع العلماء