ابن عطية الأندلسي
286
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
صدقه ونبوته ولكنهم يجحدون عنادا منهم وظلما والآية على هذا لا تتناول جميع الكفار بل تخص الطائفة التي حكى عنها أنها كانت تقول إنا لنعلم أن محمدا صادق ولكن إذا آمنا به فضلتنا بنو هاشم بالنبوة فنحن لا نؤمن به أبدا رويت هذه المقالة عن أبي جهل ومن جرى مجراه وحكى النقاش أن الآية نزلت في الحارث بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف فإنه كان يكذب في العلانية ويصدق في السر ويقول نخاف أن تتخطفنا العرب ونحن أكلة رأس والمعنى على قراءة من قرأ يكذبونك بتخفيف الذال يحتمل ما ذكرناه أولا في يكذبونك أي لا يجدونك كاذبا في حقيقتك ويحتمل هذين الوجهين اللذين ذكرت في يكذبونك بشد الذال وآيات الله علاماته وشواهد نبيه محمد صلى الله عليه وسلم و * ( يجحدون ) * حقيقته في كلام العرب الإنكار بعد معرفة وهو ضد الإقرار ومعناه على تأويل من رأى الآية في المعاندين مترتب على حقيقته وهو قول قتادة والسدي وغيرهما وعلى قول من رأى أن الآية في الكفار قاطبة دون تخصيص أهل العناد يكون في اللفظة تجوز وذلك أنهم لما أنكروا نبوته وراموا تكذيبه بالدعوى التي لا تعضدها حجة عبر عن إنكارهم بأقبح وجوه الإنكار وهو الجحد تغليظا عليهم وتقبيحا لفعلهم إذ معجزاته وآياته نيرة يلزم كل مفطور أن يعلمها ويقربها قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه وجميع ما في هذه التأويلات من نفي التكذيب إنما هو عن اعتقادهم وأما أقوال جميعهم فمكذبة إما له وإما للذي جاء به قال القاضي أبو محمد وكفر العناد جائز الوقوع بمقتضى النظر وظواهر القرآن تعطيه كقوله * ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ) * وغيرها وذهب بعض المتكلمين إلى المنع من جوازه وذهبوا إلى أن المعرفة تقتضي الإيمان والجحد يقتضي الكفر ولا سبيل إلى اجتماعهما وتأولوا ظواهر القرآن فقالوا في قوله تعالى * ( وجحدوا بها ) * إنها في أحكام التوراة التي بدلوها كآية الرجم وغيرها قال القاضي أبو محمد ودفع ما يتصور العقل ويعقل من جواز كفر العناد على هذه الطريقة صعب أما أن كفر العناد من العارف بالله وبالنبوة بعيد لأنه لا داعية إلى كفر العناد إلا الحسد ومن عرف الله والنبوة وأن محمدا يجيئه ملكمن السماء فلا سبيل إلى بقاء الحسد مع ذلك أما أنه جائز فقد رأى أبو جهل على رأس النبي صلى الله عليه وسلم فحلا عظيما من الإبل قد هم بأبي جهل ولكنه كفر مع ذلك وأسند الطبري أن جبريل عليه السلام وجد النبي صلى الله عليه وسلم حزينا فسأله فقال كذبني هؤلاء فقال إنهم لا يكذبونك بل يعلمون أنك صادق * ( ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) * والذي عندي في كفر حيي بن أخطب ومن جرى مجراه أنهم كانوا يرون صفات النبي صلى الله عليه وسلم ويعرفونها أو أكثرها ثم يرون من آياته زائدا على ما عندهم فيتعلقون في مغالطة أنفسهم بكل شبهة بأضعف سبب وتتخالج ظنونهم فيقولون مرة هو ذلك ومرة عساه ليسه ثم ينضاف إلى هذا حسدهم وفقدهم الرياسة فيتزايد ويتمكن إعراضهم وكفرهم وهم على هذا وإن عرفوا أشياء وعاندوا فيها فقد قطعوا في ذلك بأنفسهم عن الوصول إلى غاية المعرفة وبقوا في ظلمة الجهل فهم جاهلون بأشياء معاندون في أشياء غيرها وأنا أستبعد العناد مع المعرفة التامة