ابن عطية الأندلسي

206

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

سورة المائدة 54 اختلف القراء في هذه الآية فقرأ ابن كثير وابن عامر ونافع يقول بغير واو عطف وبرفع اللام وكذلك ثبت في مصاحف المدينة ومكة وقرأ حمزة والكسائي وعاصم ويقول بإثبات الواو وكذلك ثبت في مصاحف الكوفيين وقال الطبري كذلك هي في مصاحف أهل الشرق وقرأ أبو عمرو وحده ويقول بإثبات الواو وبنصب اللام قال أبو علي وروى علي بن نصر عن أبي عمرو النصب والرفع في اللام فأما قراءة ابن كثير ونافع فمتعاضدة مع قراءة حمزة والكسائي لأن الواو ليست عاطفة مفرد على مفرد مشركة في العامل وإنما هي عاطفة جملة على جملة وواصلة بينهما والجملتان متصلتان بغير واو إذ في الجملة الثانية ذكر من الجملة المعطوف عليها إذ الذين يسارعون وقالوا نخشى ويصبحون نادمين هم الذين قيل فيهم * ( أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم ) * فلما كانت الجملتان هكذا حسن العطف بالواو وبغير الواو كما أن قوله تعالى * ( سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم ) * لما كان في كل واحدة من الجملتين ذكر مما تقدم اكتفى بذلك عن الواو وعلى هذا قوله تعالى * ( أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) * ولو دخلت الواو فقيل وهم فيها خالدون كان حسنا قال القاضي أبو محمد ولكن براعة الفصاحة في الإيجاز ويدل على حسن دخول الواو قوله تعالى * ( ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم ) * فحذف الواو من قوله * ( ويقول الذين آمنوا ) * كحذفها من هذه الآية وإلحاقها في قوله * ( ثامنهم ) * قال القاضي أبو محمد وذهب كثير من المفسرين إلى أن هذا القول من المؤمنين إنما هو إذا جاء الفتح حصلت ندامة المنافقين وفضحهم الله تعالى فحينئذ يقول المؤمنون * ( أهؤلاء الذين أقسموا ) * الآية وتحتمل الآية أن تكون حكاية لقول المؤمنين في وقت قول الذين في قلوبهم مرض * ( نخشى أن تصيبنا دائرة ) * وعند أفعالهم ما فعلوا في حكاية بني قينقاع فظهر فيها سرهم وفهم منهم أن تمسكهم بهم إنما هو إرصاد لله ولرسوله فمقتهم النبي والمؤمنون وترك النبي صلى الله عليه وسلم بني قينقاع لعبد الله بن أبي رغبة في المصلحة والألفة وبحكم إظهار عبد الله أن ذلك هو الرأي من نفسه وأن الدوائر التي يخاف إنما هي ما يخرب المدينة وعلم المؤمنون وكل فطن أن عبد الله في ذلك بخلاف ما أبدى فصار ذلك موطنا يحسن أن يقول فيه المؤمنون * ( أهؤلاء الذين أقسموا ) * الآية وأما قراءة أبي عمرو ويقول بنصب اللام فلا يتجه معها أن يكون قول المؤمنين إلا عند الفتح وظهور ندامة المنافقين وفضيحتهم لأن الواو عاطفة فعل على فعل مشركة في العامل وتوجه عطف " ويقول " مطرد على ثلاثة أوجه أحدها على المعنى وذلك أن قوله * ( فعسى الله أن يأتي بالفتح ) * إنما المعنى فيه فعسى الله أن يأتي بالفتح فعطف قوله تعالى " ويقول " على * ( يأتي ) * اعتمادا على المعنى وإلا فلا