ابن عطية الأندلسي

184

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

صلى الله عليه وسلم بالعرنيين ووقفت الأمر على هذه الحدود وقال بعضهم وجعلها الله عتابا لنبيه صلى الله عليه وسلم على سمل الأعين وحكي عن جماعة من أهل العلم أن هذه الآية ليست بناسخة لذلك الفعل لأن ذلك وقع في المرتدين قال القاضي أبو محمد لا سيما وفي بعض الطرق أنهم سملوا أعين الرعاة قالوا وهذه الآية هي في المحارب المؤمن وحكى الطبري عن السدي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمل أعين العرنيين وإنما أراد ذلك فنزلت الآية ناهية عن ذلك قال القاضي أبو محمد وهذا قول ضعيف تخالفه الروايات المتظاهرة ولا خلاف بين أهل العلم أن حكم هذه الآية مترتب في المحاربين من أهل الإسلام واختلفوا فيمن هو الذي يستحق اسم الحرابة فقال مالك بن أنس رحمه الله المحارب عندنا من حمل على الناس السلاح في مصر أو برية فكابرهم عن أنفسهم وأموالهم دون نائرة ولا ذحل ولا عداوة وقال بهذا القول جماعة من أهل العلم وقال أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من أهل العلم لا يكون المحارب إلا القاطع على الناس في خارج الأمصار فأما في المصر فلا قال القاضي أبو محمد يريدون أن القاطع في المصر يلزمه حد ما اجترح من قتل أو سرقة أو غصب ونحو ذلك والحرابة رتب أدناها إخافة الطريق فقط لكنها توجب صفة الحرابة ثم بعد ذلك أن يأخذ المال مع الإخافة ثم بعد ذلك أن يقتل مع الإخافة ثم بعد ذلك أن يجمع ذلك كله فقال مالك رحمه الله وجماعة من العلماء في أي رتبة كان المحارب من هذه الرتب فالإمام مخير فيه في أن يعاقبه بما رأى من هذه العقوبات واستحسن أن يأخذ في الذي لم يقتل بأيسر العقوبات قال القاضي أبو محمد لا سيما إن كانت زلة ولم يكن صاحب شرور معروفة وأما إن قتل فلا بد من قتله وقال ابن عباس رضي الله عنه والحسن وأبو مجلز وقتادة وغيرهم من العلماء بل لكل رتبة من الحرابة رتبة من العقاب فمن أخاف الطرق فقط فعقوبته النفي ومن أخذ المال ولم يقتل فعقوبته القطع من خلاف ومن قتل دون أخذ مال فعقوبته القتل ومن جمع الكل قتل وصلب وحجة هذا القول أن الحرابة لا تخرج عن الإيمان ودم المؤمن حرام إلا بإحدى ثلاث ارتداد أو زنى بعد إحصان أو قتل نفس فالمحارب إذا لم يقتل فلا سبيل إلى قتله وقد روي عن ابن عباس والحسن أيضا وسعيد بن المسيب وغيرهم مثل قول مالك إن الإمام مخير ومن حجة هذا القول أن ما كان في القرآن أو أو فإنه للتخيير كقوله تعالى * ( ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) * وكآية كفارة اليمين وآية جزاء الصيد قال القاضي أبو محمد ورجح الطبري القول الآخر وهو أحوط للمفتي ولدم المحارب وقول مالك أسد للذريعة وأحفظ للناس والطرق والمخيف في حكم القاتل ومع ذلك فمالك يرى فيه الأخذ بأيسر العقوبات استحسانا وذكر الطبري عن أنس بن مالك أنه قال سأل رسول الله جبريل عليهما السلام عن الحكم في المحارب فقال من أخاف السبيل وأخذ المال فاقطع يده للأخذ ورجله للإخافة ومن قتل فاقتله ومن جمع ذلك فاصلبه