ابن عطية الأندلسي
109
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
قال قتادة بن النعمان وكان بنو أبيرق أهل فاقة فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملا من دومك الشام فجعله في مشربة له وفي المشربة درعان له وسيفان فعدي على المشربة من الميل فنقبت وأخذ الطعام والسلاح فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال يا بن أخي تعلم أنه قد عدي علينا في ليلتنا هذه فنقبت مشربتنا وذهب بطعامنا وسلاحنا فقال فتحسسنا في الدار وسألنا فقيل لنا قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة ولا نراه إلا على بعض طعامكم قال وقد كان بنو أبيرق قالوا ونحن نسأل والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل رجل منا له صلاح وإسلام فسمع ذلك لبيد فاخترط سيفه ثم أتى بني أبيرق فقال والله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن هذه السرقة قالوا إليك عنا أيها الرجل فوالله ما أنت بصاحبنا فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها فقال لي عمي يا بن أخي لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بهذه القصة فأتيته صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه فقال انظر في ذلك فلما سمع بذلك بنو أبيرق أتوا رجلا منهم يقال له أسير بن عروة فكلموه في ذلك واجتمع إليه ناس من أهل الدار فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة على بينة قال قتادة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته قال عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح فرميتهم بالسرقة عن غير بينة قال فرجعت وقد وددت أن أخرج عن بعض مالي ولم أكلمه فأتيت عمي فقال ما صنعت فأخبرته بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الله المستعان فلم نلبث أن نزل القرآن * ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ) * الآيات فالخائنون بنو أبيرق والبريء المرمي لبيد بن سهل والطائفة التي همت أسير وأصحابه قال القاضي أبو محمد وقال قتادة وغير واحد من المتأولين هذه القصة ونحوها إنما كان صاحبها طعمة بن أبيرق ويقال فيه طعيمة وقال السدي القصة في طعمة بن أبيرق لكن بأن استودعه يهودي درعا فجحده إياها وخانه فيها وطرحها في دار أبي مليل الأنصاري وأراد أن يرميه بسرقتها لما افتضح وأبو مليل هو البريء المشار إليه وقال عكرمة سرق طعمة بن أبيرق درعا من مشربة ورمى بسرقتها رجلا من اليهود يقال له زيد بن السمين قال القاضي أبو محمد وجملة هذا يستدير على أن قوم طعمة أتوا النبي وكلموه في أن يذب عن طعمة ويرفع الدعوى عنه ودفعوا هم عنه ومنهم من يعلم أنه سرق فكانت هذه معصية من مؤمنيهم وخلق مقصود من منافقيهم فعصم الله رسوله من ذلك ونبه على مقاله لقتادة بن النعمان بقوله * ( ولا تكن للخائنين خصيما ) * قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله وطعيمة بن أبيرق صرح بعد ذلك بالارتداد وهرب إلى مكة ونزل على سلافة فرماها حسان بن ثابت بشعر فأخذت رحل طعمة ورمت به في الأبطح وقالت اخرج عنا أهديت إلي شعر حسان فروي أنه نزل على الحجاج بن علاط وسرقة فطرده وروي أنه نقب حائط بيت ليسرقه فانهدم الحائط عليه فقتله وروي أنه اتبع قوما من العرب فسرقهم فقتلوه قوله تعالى * ( واستغفر الله ) * ذهب الطبري إلى أن المعنى استغفر الله من ذنبك في خصامك للخائنين