ابن عطية الأندلسي

103

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

وحجتهم أحاديث رويت في ذلك عن ابن عمر وابن عباس وقال الحسن والزهري تقصر الصلاة في مسيرة يومين ولم يذكرا أميالا وروي هذا القول عن مالك وروي عنه أيضا تقصر الصلاة في يوم وليلة وهذه الأقوال الثلاثة تتقارب في المعنى وروي عن ابن عباس وابن عمر أن الصلاة تقصر في مسيرة اليوم التام وقصر ابن عمر في ثلاثين ميلا وعن مالك في العتبية فيمن خرج إلى ضيعته على مسيرة خمسة وأربعين ميلا قال يقصر وعن ابن القاسم في العتبية أن قصر في ستة وثلاثين فلا إعادة عليه وقال يحيى بن عمر يعيد أبدا وقال ابن عبد الحكم في الوقت وقال ابن مسعود وسفيان والثوري وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن من سافر مسيرة ثلاث قصر قال أبو حنيفة ثلاثة أيام ولياليها سير الإبل ومشي الأقدام وروي عن أنس بن مالك أنه قصر في خمسة عشر ميلا قال الأوزاعي عامة العلماء في القصر في مسيرة اليوم التام وبه نأخذ واختلف الناس في نوع السفر الذي تقصر فيه الصلاة فأجمع الناس على الجهاد والحج والعمرة وما ضارعها من صلة رحم وإحياء نفس واختلف الناس فيما سوى ذلك فالجمهور على جواز القصر في السفر المباح كالتجارة ونحوها وروي عن ابن مسعود أنه قال لا تقصر الصلاة إلا في حج أو جهاد وقال عطاء لا تقصر الصلاة إلا في سفر طاعة وسبيل من سبل الخير وقد روي عن عطاء أنها تقصر في كل المباح والجمهور من العلماء على أنه لا قصر في سفر المعصية كالباغي وقاطع الطريق وما في معناهما وروي عن الأوزاعي وأبي حنيفة إباحة القصر في جميع ذلك وجمهور العلماء على أن المسافر لا يقصر حتى يخرج من بيوت القرية وحينئذ هو ضارب في الأرض وهو قول مالك في المدونة وابن حبيب وجماعة المذهب قال ابن القاسم في المدونة ولم يحد لنا مالك في القرب حدا وروي عن مالك إذا كانت قرية يجمع أهلها فلا يقصر حتى يجاوزها بثلاثة أميال وإلى ذلك في الرجوع وإن كانت لا يجمع أهلها قصر إذا جاوز بساتينها وروي عن الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفرا فصلى بهم ركعتين في منزله وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد من أصحاب ابن مسعود وبه قال عطاء بن أبي رباح وسليمان بن موسى وروي عن مجاهد أنه قال لا يقصر المسافر يومه الأول حتى الليل وهو شاذ وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين وليس بينهما ثلث يوم ويظهر من قوله تعالى * ( فليس عليكم جناح أن تقصروا ) * أن القصر مباح أو مخير فيه وقد روى ابن وهب عن مالك أن المسافر مخير وقاله الأبهري وعليه حذاق المذهب وقال مالك في المبسوط القصر سنة وهذا هو جمهور المذهب وعليه جواب المدونة بالإعادة في الوقت لمن أتم في سفره وقال محمد بن سحنون وإسماعيل القاضي القصر فرض وبه قال حماد بن أبي سليمان وروي نحوه عن عمر بن عبد العزيز وروي عن ابن عباس أنه قال من صلى في السفر أربعا فهو كمن صلى في الحضر ركعتين وحكى ابن المنذر عن عمر بن الخطاب أنه قال صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم وقد خاب من افترى ويؤيد هذا قول عائشة فرضت الصلاة ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر واختلف العلماء في معنى قوله تعالى * ( أن تقصروا ) * فذهب جماعة من العلماء إلى أنه القصر إلى اثنين من أربع روي عن علي بن أبي طالب أنه قال سأل قوم من التجار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا إنا نضرب