الشريف الإدريسي
589
نزهة المشتاق في اختراق الآفاق
بفضائل ما بها وما جمعته من مفترق المحاسن وضمته من خيرات سائر المواطن ودول ملوكها أشرف الدول وصولتهم على من ناوأهم أشد الصول فملوكها أعظم الملوك قدرا وأكبرهم خطرا وأرفعهم همة وأشمخهم قدرا ورتبة ولما كان في سنة أربع مائة وثلاث وخمسين سنة من سني الهجرة افتتح غرر بلادها وقهر بمن معه طغاة ولاتها وأجنادها الملك الأجل والهمام الأفضل المعظم القدر السامي الفخر رجار بن تنقرين خيرة ملوك الإفرنجيين ولم يزل يفرق جموع ولاتها ويقهر طغاة حماتها ويشن عليهم الغارات في الليل والنهار ويرميهم بصنوف من الحتوف والبوار ويعمل فيهم ماضي الشفار وعوامل القنا الخطار إلى أن استولى على جميعها غلبة وقهرا وفتحها قطرا فقطرا وملكها ثغرا فثغرا وذلك في مدة ثلاثين عاما ولما صار أمرها إليه واستقر بها سرير ملكه نشر سيرة العدل في أهلها وأقرهم على أديانهم وشرائعهم وأمنهم في أموالهم وأنفسهم وأهليهم وذراريهم ثم أقام على ذلك مدة أيام حياته إلى أن وافاه أجله المحتوم وتقضاه يومه المعلوم فتوفي في سنة أربع وتسعين وأربع مائة وهو ببعض بلاد قلورية بقلعة مليطو فدفن بها ثم ورث الملك بعده ابنه الملك المعظم المسمى باسمه المقتفي أثر سننه رجار الثاني فأقام الدولة وزين المملكة وشرف السلطنة وأعطى الأمور أقساطها من النظر الجلي والفعل المرضي مع نشور العدل وإقامة الأمان والفضل حتى انقادت الملوك إلى طاعته وأعلموا بشعار مشايعته ومتابعته وسلموا مقاليد بلادهم