ابن خلكان

214

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

يلبس ذلك الزي وخرج الأمير يحيى في الحال ومشى في البلد وسكن الفتنة وكان يحيى عادلا في دولته ضابطا لأمور رعيته عارفا بخرجه ودخله مدبرا في جميع ذلك على ما يوجبه النظر العقلي ويقتضيه الرأي الحكمي ونعته في الملاحم الملك المغدور وتحقق له هذا النعت بهذه الواقعة التي ذكرناها وكان كثير المطالعة لكتب الأخبار والسير عارفا بها رحيما للضعفاء شفيقا على الفقراء يطعمهم في الشدائد فيرفق بهم ويقرب أهل العلم والفضل من نفسه وساس العرب في بلاده فهابوه وانكفت أطماعهم وكان له نظر حسن في صناعة النجوم والأحكام وكان حسن الوجه على حاجبه شامة أشهل العينين مائلا في قده إلى الطول دقيق الساقين وكان عنده جماعة من الشعراء قصدوه ومدحوه وخلدوا مديحه في دواوينهم ومن جملة شعرائه أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت الشاعر المقدم ذكره أقام تحت كنفه بعد أن جاب الأرض وتقاذفت به البلدان وله صنف الرسالة المشهورة التي وصف فيها مصر وعجائبها وشعراءها وغير ذلك وله فيه مدائح كثيرة أجاد فيها وأحسن وله أيضا مدائح في ولده أبي الحسن علي وولد ولده الحسن بن علي ومن جملة قوله من مديحه قصيدة ( وارغب بنفسك إلا عن ندى ووغى * فالمجد أجمع بين البأس والجود ) ( كدأب يحيى الذي أحيت مواهبه * ميت الرجاء بإنجاز المواعيد ) ( معطي الصوارم والهيف النواعم والجرد * الصلادم والبزل الجلاعيد ) ( أشم أشوس مضروب سرادقه * على أشم بفرع النجم معقود ) ( إذا بدا بسرير الملك محتبيا * رأيت يوسف في محراب داوود ) ( من أسرة تخذوا الماذي لبسهم * واستوطنوا صهوات الضمر القود ) ( محسدون على أن لا نظير لهم * وهل رأيت عظيما غير محسود )