ابن خلكان
144
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
سماعه فيها فأثبت روايته فيها عن زياد وسمع بمكة من سفيان بن عيينة وبمصر من الليث بن سعد وعبد الله بن وهب وعبد الرحمن بن القاسم وتفقه بالمدنيين والمصريين من أكابر أصحاب مالك بعد انتفاعه بمالك وملازمته له وكان مالك يسميه عاقل الأندلس وسبب ذلك فيما يروى أنه كان في مجلس مالك مع جماعة من أصحابه فقال قائل قد حضر الفيل فخرج أصحاب مالك كلهم لينظروا إليه ولم يخرج يحيى فقال له مالك ما لك لا تخرج فتراه لأنه لا يكون بالأندلس فقال إنما جئت من بلدي لأنظر إليك وأتعلم من هديك وعلمك ولم أجىء لأنظر إلى الفيل فأعجب به مالك وسماه عاقل أهل الأندلس ثم إن يحيى عاد إلى الأندلس وانتهت إليه الرياسة بها وبه انتشر مذهب مالك في تلك البلاد وتفقه به جماعة لا يحصون عددا وروى عنه خلق كثير وأشهر روايات الموطأ وأحسنها رواية يحيى المذكور وكان مع إمامته ودينه معظما عند الأمراء مكينا عفيفا عن الولايات متنزها جلت رتبته عن القضاء فكان أعلى قدرا من القضاة عند ولاة الأمر هناك لزهده في القضاء وامتناعه منه قال أبو محمد علي بن أحمد المعروف بابن حزم الأندلسي المقدم ذكره مذهبان انتشرا في مبدأ أمرهما بالرياسة والسلطان مذهب أبي حنيفة فإنه لما ولي قضاء القضاة أبو يوسف يعقوب صاحب أبي حنيفة وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى كانت القضاة من قبله فكان لا يولي قضاء البلدان من أقصى المشرق إلى أقصى إفريقية إلا أصحابه والمنتمين إليه وإلى مذهبه ومذهب مالك ابن أنس عندنا في بلاد الأندلس فإن يحيى بن يحيى كان مكينا عند السلطان مقبول القول في القضاة فكان لا يلي قاض في أقطار بلاد الأندلس إلا بمشورته واختياره ولا يشير إلا بأصحابه ومن كان على مذهبه والناس سراع إلى