ابن خلكان

100

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

فلما قبض عليه ومات في التنور كما سيأتي ذكره لم يجد من جميع أملاكه وضياعه وذخائره إلا ما كانت قيمته مائة ألف دينار فندم على ذلك ولم يجد عنه عوضا وقال للقاضي أحمد أطمعتني في باطل وحملتني على شخص لم أجد عنه عوضا وكان ابن الزيات المذكور قد اتخذ تنورا من حديد وأطراف مساميره المحددة إلى داخل وهي قائمة مثل رؤوس المسال في أيام وزارته وكان يعذب فيه المصادرين وأرباب الدواوين المطلوبين بالأموال فكيفما انقلب واحد منهم أو تحرك من حرارة العقوبة تدخل المسامير في جسمه فيجدون لذلك أشد الألم ولم يسبقه أحد إلى هذه المعاقبة وكان إذا قال له أحد منهم أيها الوزير ارحمني فيقول له الرحمة خور في الطبيعة فلما اعتقله المتوكل أمر بإدخاله في التنور وقيده بخمسة عشر رطلا من الحديد فقال يا أمير المؤمنين ارحمني فقال له الرحمة خور في الطبيعة كما كان يقول للناس فطلب دواة وبطاقة فأحضرتا اليه فكتب ( هي السبيل فمن يوم إلى يوم * كأنه ما تريك العين في النوم ) ( لا تجزعن رويدا إنها دول * دنيا تنقل من قوم إلى قوم ) وسيرها إلى المتوكل فاشتغل عنها ولم يقف عليها إلا في الغد فلما قرأها المتوكل أمر بإخراجه فجاؤوا إليه فوجدوه ميتا وذلك في سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وكانت مدة إقامته في التنور أربعين يوما وكان القبض عليه لثمان مضين من صفر من السنة المذكورة ولما مات وجد في التنور مكتوب بخطه قد خطه بالفحم على جانب التنور يقول ( من له عهد بنوم * يرشد الصب إليه )