ابن خلكان

326

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

بعضها في بعض في البحر المالح الذي بين جزيرة الأندلس والبر الكبير في الموضع المعروف بزقاق سبتة وسد الفروج التي بين الحجارة بما اقتضته حكمته وأوصل تلك الحجارة من البر إلى الجزيرة وآثارها باقية إلى اليوم في الزقاق الذي بين سبتة والجزيرة الخضراء وأكثر أهل الأندلس يزعمون أن هذا أثر قنطرة كان الإسكندر قد عملها ليعبر عليها الناس من سبتة إلى الجزيرة والله أعلم أي القولين أصح فلما تم تنضيد الحجارة للملك الحكيم جلب إليها الماء العذب من موضع عال في الجبل بالبر الكبير وسلطه في ساقية محكمة البناء وبني بجزيرة الأندلس رحى على هذه الساقية وأما صاحب الطلسم فإنه أبطأ عمله بسبب انتظار الرصد الموافق لعمله غير أنه أعمل أمره وأحكمه وابتنى بنيانا مربعا من حجر أبيض على ساحل البحر في رمل حفر أساسه إلى أن جعله تحت الأرض بمقدار ارتفاعه فوق الأرض ليثبت فلما انتهى البناء المربع إلى حيث اختار صور من النحاس الأحمر والحديد المصفى المخلوطين بأحكم الخلط صورة رجل بربري له لحية وفي رأسه ذؤابة من شعر جعد قائم في رأسه لجعودتها متأبط بصورة كساء قد جمع طرفيه على يده اليسرى بألطف تصوير وأحكمه في رجليه نعل وهو قائم في رأس البناء على مستدق بمقدار رجليه فقط وهو شاهق في الهواء طوله نيف عن ستين ذراعا أو سبعين وهو محدد الأعلى إلى أن ينتهي إلى ما سعته قدر الذراع وقد مد يده اليمنى بمفتاح قفل قابضا عليه مشيرا إلى البحر كأنه يقول لا عبور وكان من تأثير هذا الطلسم في البحر الذي تجاهه أنه لم ير قط ساكنا ولا كانت تجرى فيه قط سفينة بربري حتى سقط المفتاح من يده وكان الملكان العاملان للرحى والطلسم يتسابقان إلى التمام من عملهما إذ كان بالسبق يستحق التزويج وكان صاحب الرحى قد فرغ لكنه يخفي أمره عن صاحب الطلسم حتى لا يعلم به فيبطل عمل الطلسم وكان يود عمل الطلسم حتى