ابن خلكان

324

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

عن العلوم التي كان أمرها عندهم من أهم الأمور فلذلك انحازوا من بين يدي الفرس إلى الأندلس فلما صاروا إليها أقبلوا على عمارتها فشقوا الأنهار وبنوا المعاقل وغرسوا الجنات والكروم وشيدوا الأمصار وملؤوها حرثا ونسلا وبنيانا فعظمت وطابت حتى قال قائلهم لما رأى بهجتها إن الطائر الذي صورت العمارة على شكله وكان المغرب ذنبه كان طاوسا معظم جماله في ذنبه فاغتبطوا بها أتم اغتباط واتخذوا دار الملك والحكمة بها مدينة طليطلة لأنها وسط البلاد وكان أهم الأمور عندهم تحصينها عمن يتصل به خبرها من الأمم فنظروا فإذا ليس ثم من يحسدهم على أرغد العيش إلا أرباب الشظف والشقاء وهم يوم ذاك طائفتان العرب والبربر فخافوهم على جزيرتهم المعمورة فعزموا أن يتخذوا لدفع هذين الجنسين من الناس طلسما فرصدوا لذلك أرصادا ولما كان البربر بالقرب منهم وليس بينهم سوى تعدية البحر ويرد عليهم منهم طوائف منحرفة الطباع خارجة عن الأوضاع ازدادوا منهم نفورا وكثر تحذيرهم من مخالطتهم في نسب أو مجاورة حتى انبث ذلك في طبائعهم وصار بعضهم مركبا في غرائزهم فلما علم البربر عداوة أهل الأندلس لهم وبغضهم أبغضوهم وحسدوهم فلا تجد أندلسيا إلا مبغضا بربريا ولا بربريا إلا مبغضا أندلسيا إلا أن البربر أحوج إلى أهل الأندلس من أهل الأندلس إلى البربر لكثرة وجود الأشياء بالأندلس وعدمها ببلاد البربر وكان بنواحي غرب جزيرة الأندلس ملك يوناني بجزيرة يقال لها قادس وكانت له ابنة في غاية الجمال فتسامع بها ملوك الأندلس وكانت جزيرة الأندلس كثيرة الملوك لكل بلدة أو بلدتين ملك تناصفا منهم في ذلك فخطبها كل واحد منهم وكان أبوها يخشى من تزويجها لواحد منهم وإسخاط