ابن خلكان

189

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

الإمام في علم الحديث صاحب الجامع الصحيح والتاريخ رحل في طلب الحديث إلى أكثر محدثي الأمصار وكتب بخراسان والجبال ومدن العراق والحجاز والشام ومصر وقدم بغداد واجتمع إليه أهلها واعترفوا بفضله وشهدوا بتفرده في علم الرواية والدراية وحكى أبو عبد الله الحميدي في كتاب جذوة المقتبس والخطيب في تاريخ بغداد أن البخاري لما قدم بغداد سمع به أصحاب الحديث فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر ودفعوا إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عشرة أحاديث وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على البخاري وأخذوا الموعد للمجلس فحضر المجلس جماعة من أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرها ومن البغداديين فلما أطمأن المجلس بأهله انتدب إليه واحد من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال البخاري لا أعرفه فسأله عن آخر فقال لا أعرفه فما زال يلقي عليه واحدا بعد واحد حتى فرغ من عشرته والبخاري يقول لا أعرفه فكان الفقهاء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون الرجل فهم ومن كان منهم ضد ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم ثم أنتدب رجل آخر من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة فقال البخاري لا أعرفه فسأله عن آخر فقال لا أعرفه فلم يزل يلقي عليه واحدا بعد واحد حتى فرغ من عشرته والبخاري يقول لا أعرفه ثم أنتدب الثالث والرابع إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة والبخاري لا يزيدهم على قوله لا أعرفه فلما علم البخاري أنهم فرغوا التفت إلى الأول منهم أما حديثك الأول فهو كذا وحديثك الثاني فهو كذا الثالث والرابع على الولاء حتى أتى على تمام العشرة فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه وفعل بالآخرين كذلك ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها وأسانيدها إلى متونها فأقر له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل