ابن خلكان
474
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
البحر وانحدرت إلى البصرة فخبرت أن الجاحظ بها وأنه عليل الفالج فأحببت أن أراه قبل وفاته فسرت إليه فأفضيت إلى باب دار لطيف فقرعته فخرجت إلي خادم صفراء فقالت من أنت قلت رجل غريب وأحب أن أسر بالنظر إلى الشيخ فبلغته الخادم ما قلته فسمعته يقول قولي له وما تصنع بشق مائل ولعاب سائل ولون حائل فقلت للجارية لا بد من الوصول إليه فلما بلغته قال هذا رجل قد اجتاز بالبصرة وسمع بعلتي فقال أراه قبل موته لأقول قد رأيت الجاحظ ثم أذن لي فدخلت فسلمت عليه ورد ردا جميلا وقال من تكون أعزك الله فانتسبت له فقال رحم الله أسلافك وآبائك السمحاء الأجواد فلقد كانت أيامهم رياض الأزمنة ولقد انجبر بهم خلق كثير فسقيا لهم ورعيا فدعوت له وقلت أنا أسألك أن تنشدني شيئا من الشعر فأنشدني ( لئن قدمت قبلي رجال فطالما * مشيت على رسلي فكنت المقدما ) ( ولكن هذا الدهر تأتى صروفه * فتبرم منقوضا وتنقض مبرما ) ثم نهضت فلما قاربت الدهليز قال يا فتى أرأيت مفلوجا ينفعه الإهليلج قلت لا قال فإن الإهليلج الذي معك ينفعني فابعث لي منه فقلت نعم وخرجت متعجبا من وقوعه على خبري مع كتماني له وبعثت له مائة إهليلجة وقال أبو الحسن البرمكي أنشدني الجاحظ ( وكان لنا أصدقاء مضوا * تفانوا جميعا فما خلدوا ) ( تساقوا جميعا كؤوس المنون * فمات الصديق ومات العدو ) وكانت وفاة الجاحظ في المحرم سنة خمس وخمسين ومائتين بالبصرة وقد نيف على تسعين سنة رحمه الله تعالى وبحر بفتح الباء الموحدة وسكون الحاء المهملة وبعدها راء