ابن خلكان
446
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
الدين فهو هلاك الفرنج وإجلاؤهم من ارض الشام فلم يقبلوا قوله وقالوا انها لا مانع فيها ولا حامي والى يقال إن يجهز نور الدين عسكرا نكون قد ملكناها وفرغنا من أمرها وحينئذ يتمنى نور الدين منا السلامة فسار معهم على كره وشرعوا يتجهزون ويظهرون أنهم يقصدون مدينة حمص فلما سمع نور الدين شرع أيضا في جمع عسكره وجد الفرنج في السير إلى مصر ونازلوا مدينة بلبيس وملكوها قهرا ونهبوا فيها وأسروا وسبوا وكان جماعة من أعيان المصريين قد كاتبوا الفرنج ووعدوهم النصرة عداوة منهم لشاور منهم ابن الخياط وابن مرجلة فقوي جنان الفرنج بهم وساروا من بلبيس إلى مصر فنزلوا على القاهرة وحصروها فخاف الناس منهم واقبلوا على الامتناع فحفظوا البلد وقاتلوا عليه وبذلوا جهدهم في حفظه فلو أن الفرنج أحسنوا السيرة في بلبيس لملكوا مصر والقاهرة ولكن الله حسن لهم ما فعلوا ليقضي الله أمرا كان مفعولا وأمر شاور باحراق مدينة مصر وأمر أهلها بالانتقال منها إلى القاهرة وأن ينهب البلد فانتقلوا وبقوا على الطرق ونهبت المدينة وافتقر أهلها وذهبت أموالهم ونعمتهم قبل نزول الفرنج عليهم بيوم أو يومين خوفا يقال إن يملكها الفرنج وبقيت النار فيها أربعة وخمسين يوما فأرسل الخليفة العاضد إلى نور الدين يستغيث به ويعرفه ضعف المسلمين عن دفع الفرنج وأرسل في الكتب شعور النساء وقال هذه شعور نسائي من قصري تستغيث بك لتنقذهم من الفرنج فشرع في تجهيز الجيوش وأما الفرنج فإنهم اشتدوا في حصار القاهرة وضيقوا على أهلها وشاور هو المتولي للأمر والعساكر والقتال فضاق به الأمر وضعف عن ردهم فأخذ في إعمال الحيلة فأرسل إلى ملك الفرنج يعرفه مودته له ومحبته القديمة وأن هواه معه لخوفه من نور الدين ومن العاضد وأن المسلمين لا يوافقونه على التسليم إليه وبشر بالصلح على أن يعطيه ألف ألف دينار مصرية يعجل البعض ويؤخر الباقي فاستقرت القاعدة على ذلك ورأى الفرنج أن البلاد قد امتنعت عليهم وربما سلمت إلى نور الدين فأجابوا إلى ذلك فقالوا نأخذ المال ونتقوى به ونعاود البلاد بقوة لا نبالي معها بنور الدين ومكروا ومكر الله والله خير