ابن خلكان

412

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

أن خرج خادم يوما إلى الديوان يطلب كاتبا يكتب بين يدي المنصور فقال أبو أيوب للغلام خذ دواتك وقم واكتب بين يدي أمير المؤمنين فدخل الغلام فكتب وكان يتهيأ من أبي جعفر إليه النظرة بعد النظرة يتأمله وألقيت عليه محبته واستجاد خطه واسترشق فهمه فكتب زمانا واستراح أبو أيوب إلى مكانه ورأى أنه قد حمل عنه ثقلا وبر الغلام ووصله وكساه كسوة تصلح أن يدخل بها على أمير المؤمنين ثم إن أبا جعفر قال للغلام يوما ما اسمك قال جعفر قال ابن من فسكت متحيرا قال ابن من ويحك قال ابن عبد الله قال وأين أبوك قال لم أره ولم أعرفه ولكن أمي أخبرتني أن أبي شريف وأن عندها رقعة بخطه فيها نسبه عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب فساعة ذكر الرقعة تغير وجه المنصور فقال وأين أمك قال في موضع كذا قال أتعرف فلانا قال نعم هو إمام مسجد محلتنا قال قال أتعرف فلانا قال نعم خياط في مسجدنا قال أفتعرف فلانا قال نعم في سكتنا فلما رأى الغلام أبا جعفر ينزع بأسماء قوم يعرفهم أدركته هيبة له وجزع وتدمع فأدركت أبا جعفر الرقة عليه فلم يتمالك أن قال فلانة بنت فلانة من هي منك قال أمي قال فلانة قال خالتي قال فلان قال خالي فضمه إليه وبكى وقال يا غلام لا تعلمن أبا أيوب ولا أحدا ما دار بيني وبينك انظر انظر احذر احذر فنهض الغلام وخرج فقال له أبو أيوب لقد احتبست عند أمير المؤمنين قال كتبت كتبا كثيرة أملاها علي قال فأين هي قال جعلها نسخا يردد فيها نظره حتى يحكمها ثم خرج إلى الديوان ثم إن أبا جعفر جعل يقول في بعض الأيام لأبي أيوب هذا الغلام الذي يكتب بين يدي استوص به فاتهم أبو أيوب الغلام أنه يلقي إلى أبي جعفر الشيء بعد الشيء من خبره ثم لم يلبث أن سأله مرة بعد مرة فقذف في قلب أبي أيوب بغض الغلام وأنه يقوم مقامه إن فقده أبو جعفر وأبو جعفر يزداد ولها إلى الغلام ويجن به جنونا وليس يمنعه من إدنائه وإظهار أمره إلا أمر يريده الله فلما رأى أبو أيوب ذلك احتبسه عنده عنادا ثم قال المنصور