ابن خلكان
262
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
ولما مات جاء ابن السماك ووقف على قبره ثم قال أيها الناس إن أهل الزهد في الدنيا تعجلوا الراحة على أبدانهم مع يسير الحساب غدا عليهم وإن أهل الزهد فيها تعجلوا التعب على أبدانهم مع ثقل الحساب غدا عليهم والزهادة راحة لصاحبها في لدنيا والآخرة والرغبة تعب لصاحبها في الدنيا والآخرة رحمك الله أبا سليمان ما كان أعجب شأنك ألزمت نفسك الصبر حتى قومتها أجعتها وإنما تريد شبعها وأظمأتها وإنما تريد ريها أخشنت المطعم وإنما تريد طيبه أخشنت الملبس وإنما تريد لينه أبا سليمان أما كنت تشتهي من الطعام طيبه ومن الماء بارده ومن اللباس لينه بلى ولكن أخرت ذلك لما بين يديك فما أراك إلا قد ظفرت بما طلبت وما إليه رغبت فما أيسر ما ضيعت وأحقر ما فعلت في جنب ما أملت فمن سعى مثلك عزم عزمك وصبر صبرك آنس ما يكون إذا كنت بالله خاليا وأوحش ما يكون آنس ما يكون الناس سمعت الحديث وتركت الناس يحدثون وتفهمت في دين الله وتركتهم يفتون لا تقبل من السلطان عطية ولا من الإخوان هدية سجنت نفسك في بيتك فلا محدث لك ولا ستر على بابك فلو رأيت جنازتك وكثرة تابعك علمت أنه قد شرفك وأكرمك وألبسك رداء عملك فلو لم يرغب عبد في الزهد في الدنيا إلا لمحبة هذا الستر الجميل والتابع الكثير لكان حقيقا بالاجتهاد فسبحان من لا يضيع مطيعا ولا ينسى لأحد صنيعا وقيل إن ابن السماك لما قام على قبر داود قال رحمك الله يا داود كنت تسهر ليلك والناس نائمون وكنت تربح إذ الناس يخسرون فقال الناس جميعا صدقت وكنت تسلم إذ الناس يخوضون فقال الناس جميعا صدقت حتى عدد فضائله كلها ولما فرغ قام أبو بكر النهشلي فحمد الله ثم قال يا رب إن الناس قد قالوا ما عندهم مبلغ ما علموا اللهم فاغفر له برحمتك ولا تكله إلى عمله وفرغ من دفنه وقام الناس قال جعفر بن نفيل الرهبي رأيت داود الطائي بعد موته فقلت له كيف رأيت خير الآخرة قال رأيت خيرها كثيرا قلت فماذا صرت إليه قال